الصفحة 76 من 207

بِسمِ اللهِ الرحمن الرحيم

الرجُلُ يَتَحَدَّثُ عَن جِهادِهِ؟.

رقمُ الفَتوى: 56/ 19/2256

وَسُئلَ - شِفَاهًا مُكاتَبَةً - عنِ الرجُلِ يَتَحَدَّثُ عَن جِهادِهِ وما صَنَعَ فِيه، هَلْ هُوَ مِن الرياءِ المَنْهِيِّ عَنه؟.

فأجاب:

الحمدُ للهِ؛ وبعد:

فالقَاعِدَةُ الجامِعَةُ المانِعَةُ لِهَذا قَولُ النبِيِّ صلّى اللهُ علَيهِ وسلم: إنّما الأعمالُ بالنياتِ؛ وإنما لكُلِّ امرئٍ ما نَوى، فإنْ كانَ ذلكَ لغَرَضٍ صالِحٍ كأنْ يَكُونَ المُتَحَدِّثُ مِمَّنْ يُقْتَدَى بِهِ بَينَ الناس، أو أنْ يُريدَ بِهِ التّحْريضَ على الجِهادِ فِي سبيلِ اللهِ، أو قَصَدَ بِهِ تَعْلِيمَ فُنُونِ الحَرْبِ والقِتالِ، أو كانَ ذلكَ لإثباتِ حَوادِثِ التارِيخِ أو تَصْحِيحِها، ونَحْوِ ذلكَ من المقاصِدِ الصالِحَةِ فَهُو جائزٌ إنْ شاءَ اللهُ تعالَى، بلْ قَدْ يُستَحَبُّ لما ذكَرْناهُ أو يَجِبُ بَحَسبِ المَقامِ، وقَدْ حُفِظَ عن كَثِيرٍ من الصحابَةِ رَضِيَ اللهُ عَنهُمْ مِثْلُ ذلكَ فِي مواطِنَ كَثيرَةٍ، وقدْ بوّبَ البخارِيُّ رحِمهُ اللهُ فِي كتابِ الجِهادِ والسِّيَرِ: مَنْ حَدَّثَ بمَشاهِدِهِ فِي الحَرْبِ، وذكَرَ فِيهِ عن السائبِ بنِ يزيدَ أنّهُ صحِبَ طَلْحَةَ بنَ عُبَيدِ اللهِ يُحَدِّثُ عَن يَومِ أُحُدٍ، وأشارَ فِيهِ إلَى ما وَصَلَهُ فِي المغازِي عَنْ سَعْدِ بنِ أبِي وقاصٍ رَضِيَ اللهُ عَنه: أَنِّي أَوَّل مَنْ رَمَى بِسَهْمٍ فِي سَبِيل اللَّه، قالَ الحافِظُ فِي الفَتْحِ: وَأَمَّا تَحْدِيثُ طَلْحَة فَهُوَ جَائِزٌ، إِذَا أَمِنَ الرِّيَاء وَالْعُجْب، وَيَتَرَقَّى إِلَى الاسْتِحْبَاب إِذَا كَانَ هُنَاكَ مَنْ يَقْتَدِي بِفِعْلِهِ. انتهَى.

فإنْ خَلا عَن شَيءٍ من المَقاصِدِ المَذكُورَةِ فالإمساكُ أولَى؛ ومَعَ خَوفِ الرياءِ والعُجْبِ واجِبٌ، عَنْ بُريدَةَ بِن الحُصَيبِ رَضِيَ اللهُ عَنه قَالَ: شَهْدْتُ خَيْبَرَ، وَكُنْتُ فِيمَنْ صَعِدَ الثُّلْمَةَ؛ فَقَاتَلْتُ حَتّى رُئِيَ مَكَانِي، وَعَلّيَّ ثَوْبٌ أَحْمَرُ، فَمَا أَعْلَمُ أَنِّي رَكِبْتُ فِي الإسْلامِ ذَنْبًا أَعْظَمَ عَلَيَّ مِنْهُ!، يَعْنِي: الشهْرَةَ.

قالَ الذَّهَبِيُّ بَعْدَ أنْ ذكَرَهُ فِي تَرْجَمَةِ بُرَيدَةَ مِنَ السِّيَرِ: قُلْتُ: بَلَى، جُهَّالُ زَمانِنَا يَعَدُّونَ اليَوْمَ مِثْلَ هذَا العَمَلِ مِنْ أَعْظَمِ الجِهَاد! ; وَبِكُلِّ حالٍ فالأَعْمَالُ بالنّيّاتِ، وَلَعَلَّ بُرَيْدَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ بإزْرائِهِ عَلَى نَفْسِهِ، يَصِيرُ لهُ عملُهُ ذلكَ طاعةً وجهادًا! وَكذلكَ يَقَعُ فِي العَمَلِ الصالِحِ؛ رُبّما افْتَخَرَ بِهِ الغِرُّ وَنَوَّهَ بِهِ، فَيَتَحَوَّلُ إِلَى دِيوانِ الرِّياءِ. انتَهى.

واللهُ أعْلَمُ؛ وصلى الله على محَمَّدٍ وآلِهِ وسلم.

كانَ اللهُ له

خادمُ العِلمِ وأهْلِهِ:

أبو الوليد الغزّيُّ الأنصارِيُّ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت