بِسمِ اللهِ الرحمن الرحيم
الفَرْقُ بَينَ الخِدْعَةِ والغَدْرِ المُحرّمِ؟.
رقم الفَتوى:100/ 46/9284
وسُئلَ عَنِ جَوابٍ مُخْتَصَرٍ فِي الفَرْقِ بَينَ الخِدْعَةِ الجائزَةِ فِي الحَربِ؛ والغَدْرِ المنْهِيّ عَنه؟.
فأجاب:
الحمدُ لله؛ وبعد:
فَهذِهِ المسألَةُ من المسائلِ المُهِمَةِ التِي تَلْتَبِسُ علَى كَثِيرٍ من الناسِ، وقَدْ رأيْنا كثَيرًا مِن الخَطأِ الذِي وَقعَ فِي أحوالٍ ظَنّها بَعْضُهم من الخَدِيعَةِ الجائزَةِ فِي الحَرْبِ؛ وهِي فِي حَقِيقَتِها مِن الأمانِ الذِي يَحُرمُ خَفْرُهُ، فَوجَبَ التنْبِيهُ علَى الفرْقِ بَينَهُما؛ ليَكُونَ جِهادُ العَبْدِ وفْقَ شَرعِ اللهِ ودِينِهِ؛ ولأنّ نَقْضَ العُهودِ وخَفْرَ الذمَمِ والغَدْرَ من أعظَمِ أسبابِ الهزِيمَةِ؛ واجتَنابَها مَعَ الوفاءِ بالعُهُودِ وحِفظِ الذمَمِ من أعظَمِ أسبابِ النصرِ، فنقولُ اخْتِصارًا:
أما الخَدِيعَةُ فَهِي: كُلُّ ما يَرْجِعُ إلَى إجادَةِ النظَرِ فِي تدْبِيرِ غوامِضِ الحَرْبِ وإعْمالِ الرأيِ فِيها؛ وذلكَ بِما يُوهِمُ العَدُوّ الإعراضَ عَنهُ أو الغَفْلَةَ دُونَهُ؛ وكذلكَ فِعْلُ ما يَحْصُلُ بِهِ توهِينُهُ؛ أو التِماسُ غِرّتِهِ؛ أو إصابَةُ الفُرْصَةِ مِنهُ على وجْهٍ لا يوهِمُ الأمانَ؛ ولا يَتَضَمَّنُ الإشعارَ بالأُنْسِ إلَيهِ علَى كُلِّ حالٍ، وهذا المَعْنَى يَدْخُلُ فِيهِ التورِيةُ؛ والتّبْيِيتُ؛ والتفْرِيقُ بَينَهُ؛ والاحْتِيالُ لمُخالَطَتِهِ فِي صُفوفِهِ والدخولِ إلى دارِهِ علَى أنهُ مِنهم؛ ونَصْبُ الكَمِينِ؛ والاسْتِطْرادُ حالَ القِتالِ؛ وغَيرُهُ كَثِيرٌ.
وأما الدخُولُ إلَى مُعَسكَرِهِمْ علَى أنهُ مِنهُم؛ فإنْ أظْهَرَ لَهُم ذلكَ قَبْلَ الدخُولِ إلَيهِم؛ أو صَرّحَ بأنّهُ علَى دِينِهِم؛ أو أنهُ جاءَ قاصِدًا نَصِيحَتَهُمْ؛ حَتّى اشْتَشعَرُوا مِنهُ المُوادَعَةَ والمُوالَفَةَ فَسكَنُوا إلَيهِ؛ ثُمَّ إذا وجَدَ غَفْلَةً نالَ مِنهُم؛ فَهذا حَرامٌ لا يَجُوزُ؛ وهُوَ داخِلٌ فِي نَقْضِ الأمانِ والخِيانَةِ المَنْهِي عَنهُما.
وأما إن دَخَلَ مُعَسكَرَهُم وخالَطَهُمْ حَتى تَوهّمُوا مِن عِندِ أنْفُسِهِم أنهُ مِنهم؛ كما وقعَ من عُروةَ بِن مَسعودٍ رضي الله عامَ الخَندَقِ، فذلكَ جائزٌ؛ وهُو مِن الخِدْعَةِ الوارِدَةِ فِي الحديثِ.
والفَرْقُ بَيْنَهُما؛ أن الأولَ الذِي هُو مِن بابِ الأمانِ إنما حَصَلَ باسْتِشعارِ المسالَمَةِ والموالَفَةِ؛ فَالعَدُوُّ يَطَمَئنُّ ويَستَنِيمُ إلَى ما يَعْتَقِدُهُ من الوَفاءِ؛ ثِقَةً بِهِ وبِما أظْهَرَ إلَيهِ مما يَدُلُّ علَيهِ، فإن أُتِيَ العَدُوُّ وأصِيبَ فِي هذهِ الصورَةِ لم يُؤتَ من غَفْلَتِهِ؛ بَلْ مِن الغَدْرِ والخِيانَةِ التِي أتَى بِها الداخِلُ إلَيهِم.
وأما الثانِيَةُ؛ التِي هِيَ الخَدِيعَةُ؛ فإنما كانَ اطْمِئنانُ العَدُو لغَفْلَةٍ من نَفْسِهِ؛ أو جَهْلٍ فِي اسْتِشعارِ الغَفْلَةِ؛ أو تَقْصِيرٍ مِنه؛ مِما يَرْجِعُ إلَى سُوءِ نَظَرِهِ وَقُصورِ تَدْبيرِهِ؛ من غَيرِ خِيانَةٍ تَقعُ من الآخَرِ أوْ تُنْسَبُ إلَيهِ، وهذا فَرْقٌ بَينٌ ظاهِرٌ؛ وللهِ الحمدِ.
وقَدْ أشارَ إلَى هذا الفَرْقِ الشفْشَوانِيُّ المالِكِيُّ فِي (سَعْدِ الشموسِ والأقمارِ) ؛ ثمّ رَأيتُهُ فِي (الإنجاد) لأبِي عَبدِ اللهِ ابنِ المُناصِفِ الأزدِيّ القَرْطَبِيِّ.
واللهُ أعلم؛ وصلى اللهُ علَى محمدٍ وعلَى آلهِ وصحْبِهِ وسلم.