الصفحة 74 من 207

بأنّ المصنّفِينَ تَواطَئُوا علَى قِولٍ واحِدٍ فدلّ علَى أنه لا يصحُّ مَا عداهُ، كما رَتّبَ القائلُ المذكورُ علَى المنقولِ عن العلماءِ والمفسرينَ في آيَاتِ الحُكْمِ اتفاقَهم قاطِبَةً علَى أن التشريعَ ليسَ كُفرًا!.

وإنّما تَكَلّمَ العُلماءُ رحِمَهُم اللهِ في حُكْمِ هذه الشرائعِ الموضوعَةِ حِينَ احتاجُوا إلَيها بَعْدَ وقوعِها في ديارِ الإسلام؛ واتفَقَتْ كلِمَتُهُم علَى أنّ فاعِلَ ذلكَ مِن جِنسِ المرتَدّينَ عن شرائعِ الإسلامِ؛ وأنهمُ يقاتَلون حتى يفيئوا إلى حُكم اللهِ وشرعه، كما وقعَ فِي كائنَةِ التتارِ وشريعَةِ الياسقِ؛ ثُمّ فِي بَعْضِ بلادِ الإسلامِ في الصومالِ ونَواحِيها من بِلادِ أفريقيا فِي أواخِرِ القَرنِ التاسعِ وأوائلِ العاشرِ الهِجْرِي؛ كما في كتابِ فُتوحِ الحَبَشةِ لشِهابِ الدينِ أحمدَ بنِ عَبدِ القادِرِ الجُعْفِي الجازانِي نِسبَةً إلى (بَنْدَرِ جازانَ) ؛ وهِي التِي تُعْرَفُ (جِيزانَ) حالِيًا جَنوبَ المملكَةِ العَربيةِ السعودِيةِ, ويَشْتَهِرُ بِ (عَرب فَقيهِ) ؛ (توفي بعدَ سنَةِ: 940) ، فقدْ ذكرَ فِي مُقدّمة الكتابِ أَنّ سلطانَ الوقتِ كانَ خارجًا عن شريعَةِ الإسلامِ فحملَ ذلكَ جماعَةً من العلماءِ والصالحينَ على الخروجِ لقتالِهِ؛ وكانَ المصنفُ مِمّن حضرَ هذهِ الوقائعَ وشاركَ فِيهِ؛ وقد كادَ هذا الجهادُ هُناكَ يُودِي بالنصارَى لولا تدخّلُ البرتغالِيينَ الذينَ كانُوا من طلائعِ الاستِِعمارِ فِي العصرِ الحديثِ؛ وكتابُهُ هذا مصدَرٌ مهمٌّ من مَصادِرِ التارِيخِ لتلكَ البِلادِ، وكما وقعَ فِي القرْنِ العاشِرِ الهِجْرِيّ في واقِعَةِ (الدينِ الأكْبَرِيّ) في بلادِ الهِنْدِ الذِي اختَرَعَهُ للناسِ السلطانُ جلالُ الدينِ مُحمد أكبر وكانَ يُضاهِي ياسقَ التتارِ إلحادًا وكُفرًا، ثُمَّ فِي عَصرِ ما يُسَمَّى (بالاستِعْمارِ الحديثِ) الذي أثْمَرَ تَنْحِيَةَ سُلطانِ الشرعِ عن بِلادِ الإسلامِ جُملَةً واحِدَةً وإحلالَ قوانِينِ المستَعمِرِ وتَشريعاتِهِ مَحَلَّهُ ضَمانًا لِبَقاءِ الأمّةِ الإسلامِيّةِ رَهْنَ التبَعِيّةِ السياسيةِ والثقافِيةِ والاقْتصادِيّةِ للمستَعْمرينَ.

ومِن جُمْلَةِ ما قَدّمْناهُ يُعْرَفُ الفَرْقُ الذي يَستَشكِلُهُ كَثيرُونَ بَينَ مَن خالَفَ حُكمَ اللهِ تعالَى اتباعًا للهَوى وهُو معَ ذلكَ عاصٍ لا يَكْفُرُ وإن أصرّ علَى المعْصِيةِ؛ ومَن خالَفَهُ حُكْمًا بَغَيرِ شرِيعَةِ الإسلامِ، ويَجْعَلونَ الثانِيَ كالأولِ، وهذا غَيرُ صحيح، والفَرْقُ بَينَهُما أنّ الحاكِمَ إن كانَ عُدُولُهُ عن الحُكْمِ بالشرْعِ إلَى شَرْعٍ آخَرَ مِن الشرائعِ المنسوخَةِ أو مِنْ وَضْعِ البَشَرِ يَحْتَكِمُ إلَيهِ ويُحاكِمُ الناسَ بهِ فَهُو مُشْرِكٌ معَ اللهِ إلهًا آخَرَ؛ وسواءٌ صَنعَ ذلكَ فِي نازِلَةٍ واحِدَةٍ أو أكثَرَ فذلكَ كَفْرٌ أكْبَرٌ مُناقِضٌ للتوحِيدِ، وإنْ كانَ الواحِدُ المُعَيّنُ لا يُحكَمُ علَيهِ بالكفرِ إلا بِشَرطِهِ المَعْروفِ عِنْدَ الفُقهاءِ رحمهم الله، وإنْ كانَ إِنما يَرجِعُ إلى شَريعَةِ الإسلامِ ويَحتِكِمُ إلَيها ويُحاكِمُ الناسَ بِها لكِنّهُ يَجُورُ فِي الحُكمِ فَيَقْضِي لِهذا بِحَقّ ذاكَ - لا رُجُوعًا إلَى قانُونِ شَرْعٍ مُفْتَرَىً مَوضوعٍ - ونَحْوُ هذا؛ يَصْنَعهُ لِهَوَىً أو لِقَرَابَةٍ أو رِشْوَةٍ أو طَمعًا فِي جاهٍ أو سُلطانٍ؛ فَتْلكَ مَعْصِيَةٌ ولَيسَتْ كُفْرًا, وإنّ أصَرَّ علَيها فَحُكْمُهُ حُكْمُ المُصرّ علَى الكَبيرَةِ فلا يَكْفُر.

والعَجَبُ بَعْدَ هذا مِمنْ يَقولُ بِنَحٍوِ الأقْوالِ المذكُورَةِ فِي السؤالِ لِيَمْنَعَ مِن الخَرُوجِ علَى الحاكِمِ المُستَبْدِلِ للشرائعِ الوضْعِيّةِ بِشَريعَةِ الإسلامِ, وهُو مَعَ ذلكَ يُلزِمُ بِها القضاةَ والأمةَ؛ ويُحارِبُ مَن حارَبَها، ثُمّ يَزْعُم هذا القائلُ أنّ القوْلَ بِكُفْرِ من صَنعَ ذلكَ إنما هُو دينُ الخوارجِ، لأنّ السلطانَ لم يزلْ على دينِ الإسلامِ وإن صنعَ كُلَّ هذا، والخروجُ علَى السلطانِ المُسلمِ حرامٌ لا يجوز، ويُسمّي مَن خَرجَ عن طاعَةِ مَن هذا حالُهُ من الأمراءِ ودَعَى إلَى خَلْعِهم خارِجِيًا!، فَلَيْتَهُ إذ أشكلَ عَليهِ ذلكَ رَاعَى مَقاصِدَ الشريعَةِ الإسلامِيَةِ؛ وَنَظَرَ فِي آثارِ فَتواهُ، وما جَلَبَتْهُ وما عساها تَجْلِبُهُ علَى أهلِ الإسلامِ من الويلاتِ والهلاك، ومَحْوِ آثارِ الشريعَةِ الإسلامِيّةِ أمّةً بَعْدَ أمّةً، ومَن اجْتَرأ علَى التشريعِ فِي الحلالِ والحرام اليومَ، اجترأَ غدا على التشريعِ في العِباداتِ، أفَتَرى هَؤلاءِ الأربابَ المشرعينَ لو اجْتَمَعُوا علَى أنّ الصلَواتِ الخَمْسَ مَشْغَلَةٌ للناسِ عن الأعمالِ، وخاصّةً مِنْها صلاتِي الظهْرِ والعَصرِ لأنهما فِي أوقاتِ العَملِ, وذلكَ يَعُودُ على مَصالحِ البلادِ بالضرَرِ، ثُمّ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت