الصفحة 73 من 207

مِنْها، ثُمّ إن السلَفَ رَحِمَهُم اللهُ فِي الصدْرِ الأولِ خاصّةً كانُوا أبعْدَ الناسِ عن التفْسيرِ بالرأيِ، وأشدَّهُم تَمَسكًا بالمَأثُورِ؛ كما يُرَى فِي التفاسيرِ المجْموعَةِ للعُلماءِ فِي ذلكَ العَهْدِ كتَفْسيرِ مجاهِد بنِ جَبرٍ تلميذِ ابنِ عباسٍ رضِي اللهُ عنهما؛ وتفسيرِ أبي الحسنِ مقاتِلِ بن سليمان البلخِي (ت:150) ؛ والتفاسيرِ المصنّفةِ فِي العَهْدِ الذي يلِيهِ كتفسيرِ أبِي عَبدِ اللهِ سُفيانَ بن سعِيدٍ الثورِي (ت: 161) ؛ وتفسير إسحاقَ بن راهُويَةَ؛ وتفسيرِ أبي بَكْرِ بنِ أبِي شيبَةِ؛ وتفسير أخيه عثمانَ بن أبي شَيبَةَ, وتفسيرِ عبد الرزاقِ بن همامٍ الصنعانِي المتوفّى (211) ؛ وكُتُبِ التفْسِيرِ فِي الصحِيحَينِ والمسانيدِ والسنَنِ وغَيرِهِا؛ إلَى تَفْسيرِ محمدِ بنِ جَرِيرٍ الطَبَرِي (ت:310) ؛ وتَفْسِيرِ أبِي حاتِمٍ الرازِيِّ (ت: 327) ، وغيرِها من التفاسيرِ المسندةِ مما تراهُ مَذكورًا فِي الرسالَةِ الستطرَفَةِ وغيرِها من الكُتُبِ، وإنّما كانَ هؤلاءِ الأئمّةُ يَرْوونَ من التفسيرِ ما تَلقاهُ التابِعُونَ عن أصحابِ رسولِ اللهِ صلى اللهُ علَيهِ وسلمَ؛ وإن تكلّموا فِي بعْضِ ذلكَ بالاسْتِنباطِ والاستْدْلالِ كما فعلوا في السنن المروِيّةِ عن رسولِ اللهِ صلى اللهُ علَيهِ وسلم، وقد يَنْقُلونَ في الآيةِ الواحِدَةِ أقوالًا ترجِعُ إلى اخْتِلافِ التنوّعِ لا اخْتلافِ التضادّ، وقَدْ تَرِدُ المَرْوِياتُ دالّةً منْ عُمومِ اللفظِ علَى بَعْضِ أَنْواعِهِ؛ وَعَلَى سَبِيلِ التّمْثِيلِ وَتَنْبِيهِ المُسْتَمِعِ عَلَى النّوعِ لا علَى سبيلِ الحدّ المطَابِقِ للمَحْدودِ فِي عُمُومِه وخُصُوصِهِ؛ وقدْ يَخْتَلِفُ الباعِثُ علَى تَخْصِيصِ هذا النوعِ أو ذاكَ بالذكرِ، كما فِي قولِهِ تعالَى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ} , فإنّهُ عامٌّ يَتَناوَلُ التشرِيعَ؛ كما يَتَناوَلُ مُطْلَقَ الترْكِ؛ فإنّ مَن ارْتَكَبَ ما نَهَى اللهُ تعالَى عنهُ من المَعْصِيَةِ والظلْمِ صَحَّ أنْ يُقالَ حَكَمَ بِغَيرِ ما أنْزَلَ اللهُ, بِمَعْنَى أنّ كُلَّ مَنْهِيٍّ عَنهُ فَهُوَ خارِجٌ عَن حُكْمِ اللهِ وشَرْعِهِ، لا بِمَعْنَى أَنّهُ اتّخَذَ أرْبابًا مُشَرّعِينَ يُحِلُّونَ ما حرمَ اللهُ ويُحرمونَ ما أحلّ وهُو يطيعُهم في ذلك، وإنْ كانتِ الآيَةُ تَتَناوَلُ الاثْنَينِ مَعًا، فإنْ حُمِلَتْ علَى المَعْنَى الأولِ - وهُو المعْصِيةُ - كانَت علَى ما ذكرَ ابنُ عباسٍ والسلَفُ رَضِيَ اللهُ عنْهُم؛ وكانَ إطلاقُ الكُفْرِ فِيها مِن بابِ قولِهِ صلّى اللهُ علَيهِ وسلمَ: سبابُ المسلمِ فُسوقٌ وقِتالُهُ كُفْرٌ، وقَولِهِ: يَكْفُرْنَ الإحسانَ ويكْفُرْنَ العَشير؛ ونَحْوٍ هَذا مِما أَطْلَقَ الشرْعُ فِيهِ الكُفْرَ علَى المَعاصِي تَغلِيظًا وتحذيرًا, ولأنّ الطاعاتِ كما تُسّمى إيمانًا فكذلكَ المعاصِي تُسمّى كُفْرًا؛ وقد بَوّبَ البخارِيّ فِي كتابِ الإيمانِ من الصحيح: بابُ كُفرانِ العشيرِ وكفر دون كفر للإشارَةِ إلى هذا كما قالَ القاضِي أبو بكرٍ بنُ العرَبي، وهُو مَعنَى قولِ ابنِ عباس: ليسَ بالكُفْرِ الذي تَذهَبونَ إلَيهِ، كُفْرٌ دُونَ كُفْرٍ، وهذا الموضعُ هُو الذي زَلّتْ فِيهِ أقْدامُ الخوارِجِ فَجَمَعُوا بَينَ حَمْلِ الكُفْرِ فِي الآيَةِ علَى الأكْبَرِ المُخْرِجِ مِن المِلّةِ, وبَينَ تَسْمِيَةِ كُلِّ مَن ارْتَكَبَ مَعْصِيَةً أو ظُلْمًا حاكِمًا بِغَيرِ ما أنزَلَ اللهُ؛ فأنْتَجَ هذا عِنْدَهُم أن العاصِيَ مُرْتَكِبَ الظلْمِ كافِرٌ خارِجٌ عَن مِلّةِ الإسلامِ!.

فَكَيفَ يَصِحُّ أنْ يُقالَ مَعَ هذا إنّ كَلامَ ابنِ عَباسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ والسلَفِ رحِمَهُمُ اللهُ فِي هذه الآياتِ يَتَناوَلُ التشرِيعَ ومُضاهاةَ اللهِ تعالَى فِي ربوبَيّتِهِ وألوهَيّتِهِ؟، بلِ الآيَةُ حِينَئِذٍ دالّةٌ علَى كُفْرِ المُشّرّعِ كُفْرًا أكْبَرَ بِضَمِيمَةِ ودَلالَةِ ما قَدّمْناهُ من الآياتِ ونَحْوِها، فَكَيفَ يَزْعُمُ الزاعِمُ مَعَ هذا أنَ السلَفَ مُتّفِقُونَ علَى عَدَمِ تَكْفِيرِ مَن جَعَلَ نفسهُ للهِ تعالَى نِدًا فشرّعَ للناسِ ما شاءَ بالهَوى وحَلّلَ وحَرّمَ؟! , إنْ كانَ يُرِيدُ بالسلَفِ ما رُوِي عن الصحابَةِ والتابِعِينَ فَقَدْ قَدّمْنا ما فيهِ، وإنْ كانَ يُرِيدُ كَلامَ المُفَسرينَ مِمّنْ ذكَرْنا ومَنْ فِي طَبَقَتِهِمْ فقَدْ بَينّا طَرِيقَتَهُمْ فِي ذلكَ أيْضًا، وزِدْ علَى هذا أنّهُ قَدْ جَرَتْ عادَةُ كَثِيرٍ من المُصنّفِينَ بأنْ يَنْقُلَ السابِقُ عَن اللاحِقِ, وهذا كَثِيرٌ بَيْنَ أَهْلِ العِلْمِ فِي كُتُبِ التفْسيرِ والفِقْهِ وغَيرِها, حَتّى إنكَ لَتَرَى صَفَحاتٍ كامِلَةً مَنقولَةً بِتمامِها حَرْفًا حَرفًا، ثُمَّ قَدْ يَنْشَطُ الناقِلُ لِتَحْقِيقِ كَلامِ من سَلَفَهُ وتَحْقِيقِ مَناطِهِ والتخْرِيجِ عَلِيهِ وقَدْ لا يَفْعل، إما لاخْتلافِ مراتِبِ الناسِ فِي العِلم؛ وإما اكتِفاءً بِما نُقِلَ عن السلَفِ رَحِمَهُم اللهُ مِن التّمْثِيلِ وتَعْويلًا علَى فَهْمِ القارِئِ أو السامِعِ فِي مَعْرِفَةِ دَلالاتِ الألْفاظِ كالنصّ والظاهِرِ, وما يُوافِقُ حكْمُهُ المنطوقَ كفَحْوى الخطابِ ولحْنِ الخطابِ, وما يُخالِفُ حُكْمُهُ المنطُوقَ وهُو مَفْهُومُ المخالَفِةِ؛ ونَحْوِ هذا، وإمّا لسَعَةِ المُنْقولِ وعُسْرِ الوقُوفِ علَى تَحْقِيقِ كُلِّ مسألَةٍ من المسائلِ، وإمّا لِعَدَمِ الداعِي لذلكَ وقْتَ التصنِيفِ، اوغَيرِ ذلكَ من الأسبابِ، ومِثْلُ هذا لا يَصِحُّ مَعَهُ القولُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت