فكَيفَ يَجُوزُ الزعْمُ مَعَ هذا بأنّ كَلِمَتَهُمْ مُتّفِقَةٌ علَى عَدَمِ كُفْرِ المُشرّعِ الذِي نازَعَ اللهُ تعالَى فِي رُبُوبِيّتِهِ؛ وكُفْرِ َمَن رَضِيَ بِهِ وتابَعَهُ علَيهِ؟!.
ولأَنّهُ: إنّما يُسَلَّمُ للقائِلِ بِما ذَكَرَ أنْ لَوْ كانَ ذلكَ مِن النوازِلِ الواقِعَةِ فِي زَمانِهِمْ ثُمّ تَكَلَّمُوا فِيها بِما قالُوهُ، أما الذِي كانَ فِي نَفْسِ الأَمْرِ فَغَيرُ هذا، وهُو مَسألَةُ إنْكارِ الخَوارِجِ للتّحْكِيمِ, وذلكَ لما حَكَّمَ عَلِيٌّ رضِي اللهُ عَنهُ أبا مُوسَى الأشعَرِيّ وعَمرو بَن العاصِ بَينَ الفَرِيقَينِ بَعْدَ أنْ رَفَعُوا المصاحِفَ علَى الرماحِ وتَدَاعَوْا إلَى الحُكْمِ بِما أنزَلَ اللهُ تعالَى فِي القرآنِ؛ وهذا هُو الذِي لا يَحِلُّ لأحَدٍ سِواهُ، غَيرَ أنّ أسلافَ الخَوارِجِ هَؤلاءِ كانُوا أَعْرابًا قَرَأوا القرآنَ ولم يَتفَقَّهُوا فِي السنَنِ؛ ولَمْ يَكُنْ فِيهِمْ أحَدٌ مِن الفُقَهاءِ أو مِمّنْ صَحِبَ أكابِرَ العُلماءِ من الصحابَةِ رَضيَ اللهُ عَنهم، ولذا كانُوا يُكَفِّرونَ بَعْضَهُم بَعْضًا عِندَ أقَلِّ نازِلَةٍ تَعْرِضُ لَهُمْ؛ حَتى انقسموا لأجلِ ذلكَ إلَى فِرَقٍ كَثِيرَةٍ، فَرَجَعُوا إلَى جَهْلهِمْ؛ وأعْرَضَوا عن أصحابِ نَبِيّهِمْ؛ وبايَعُوا شيثَ بنَ رِبْعِيٍّ مَؤذنَ سجاحٍ أيامَ ادعَتِ النبوّةِ، ثُم بايَعُوا عَبدَ اللهِ بن وهْبٍ الراسِبِيَّ، ثُمَّ إنهم لما رَضِيَ علِيٌّ التحكِيمَ وأُبْرِمَ العَهْدُ بَينَهُ وبَينَ مُعاوِيَةَ رضيَ اللهُ عنهما أرادَهُ الخوارجُ علَى نَقْضِهِ؛ وقالُوا: أتُحكّمونَ فِي أمرِ اللهِ عز وجلّ الرجالَ؛ لا حُكْمَ إلا للهِ، بل قالَ لَهُ بَعْضُهُم كما عِندَ الطبرِي فِي التاريخ: أمَا واللهِ ياعليُّ، لَئِنْ لَمْ تَدَعْ تَحْكِيمَ الرجالِ فِي كتابِ الله عزّ وَجَلّ قَاتَلْتُكَ، أَطْلُبُ بِذلكَ وَجْهَ اللهِ ورِضْوانَه!، ولما كانَ فِي بَعْضِ خُطَبِ علَيٍّ رَضي اللهُ عنهُ علَى المنبرِ تَنادَوا: لا حُكْمَ إلا للهِ، فقالَ علَي: اللهُ أكْبَرُ كَلِمَةُ حَقٍّ أرِيدَ بِها باطِلٌ، وإنما كانَ ذلكَ عن سوءِ فَهْمٍ مِنهُمْ؛ فإنّ تَحْكِيمَ القُضاةِ والعُلماءِ بَينَ الخَصومِ يُقِيمُونَ فِي الناسِ كِتابَ اللهِ وشَرْعَهُ هُو الذِي أمرَ اللهُ تعالَى بِهِ؛ ولا يُخْرِجَهُ ذلكَ عن كَونِهِ حُكْمَ اللهِ تعالَى، ولذا احتَجّ علَيهِم ابنُ عباسٍ رضِي اللهُ عنهُ بأنّ النبِيَّ صلى اللهُ علَيهِ وسلمَ حَكّمَ سَعْدَ بنَ مُعاذٍ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ ولَم يُخْرِجْهُ ذلكَ عَن كَونِهِ حُكْمَ اللهِ تعالَى، ثُمَّ إن الغُلاةَ من الخَوارِجِ كَفّروا علَيًا وأصحابَهُ لأجْلِ ما زَعَموا مِن أنهُ حَكّمَ الرجالَ ولا حكمَ إلا للهِ، فَكانَ ما كانَ من السلَفِ رَضِيَ اللهُ عنهُم مِن الأقوالِ لرَدِّ بِدْعَتِهِم هذهِ؛ كما روَى الطبَرِيُّ فِي التفْسيرِ عنْ عِمْرَانَ بْنَ حُدَيْرٍ, قَالَ: أَتَى أَبَا مِجْلَزٍ نَاسٌ مِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ سَدُوسٍ, فَقَالُوا: يَا أَبَا مِجْلَزٍ, أَرَأَيْتَ قَوْلَ اللَّهِ: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} ؛ أَحَقٌّ هُوَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالُوا: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} أَحَقٌّ هُوَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالُوا: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} ، أَحَقٌّ هُوَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَقَالُوا: يَا أَبَا مِجْلَزٍ, فَيَحْكُمُ هَؤُلاَءِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ؟ قَالَ: هُوَ دِينُهُمُ الَّذِي يَدِينُونَ بِهِ, وَبِهِ يَقُولُونَ, وَإِلَيْهِ يَدْعُونَ, فَإِنْ هُمْ تَرَكُوا شَيْئًا مِنْهُ عَرَفُوا أَنَّهُمْ قَدْ أَصَابُوا ذَنْبًا، فَقَالُوا: لاَ وَاللَّهِ, وَلَكِنَّكَ تَفْرَقُ، قَالَ: أَنْتُمْ أَوْلَى بِهَذَا مِنِّي لا أَرَى رايكُمْ وأنتم تَرَوْنَ هَذَا وَلاَ تَحَرَّجُونَ!! , وَلَكِنَّهَا أُنْزِلَتْ فِي الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَأَهْلِ الشِّرْكِ, أَوْ نَحْوًا مِنْ هَذَا. انتهى.
فَتأمّلْ قَولَهُ لَهُم: هُو دِينُهم الذي يدينونَ بهِ؛ إلى آخِرِ ما قالَ، يَظْهَرْ أنّ كلامَ أبِي مِجْلَزٍ لاحِقِ بنِ حُمَيدٍ السدوسِيِّ البَصْرِيِّ لَم يَكُنْ فِيمَنْ شَرّعَ للناسِ دِينًا غَيرَ دِينِ الإسلامِ؛ أو احتَكَمَ إلى شرائعِ اليَهُودِ والنصارَى؛ وإنما كانَ جَوابًا عمّنْ أرادَ أنْ يُلْزِمَهُ تَكْفِيرَ الأمراءِ والسلاطِينِ لما يَقَعُ بَيْنَهُمْ مِن المعاصِي وارْتِكابِ ما نَهَى اللهُ تعالى عنهُ من الظلْمِ ونَحْوِهِ؛ وَزَعَمُوا ذلكَ حُكْمًا بِغَيرِ ما أنزَلَ اللهُ؛ كما صَنَعَ أسلافُهُمْ من الخوارِجِ السابِقِينَ، وهُم الذينَ رَدَّ ابنُ عباسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَلَيهِم بِقَولِهِ المشهورِ: ليسَ بالكُفْرِ الذي تذهَبُونَ إلَيهِ، وعنه: وعن عطاء: كفر دونَ كفر؛ ونحوُ هذا عن طاووسٍ أيضاَ، فهذا وأمثالُهُ محمولٌ علَى ما ذكرناهُ مِن الردِّ علَى الخوارِجِ الذينَ كَثُرَتْ فِرَقُهُم حتى بَلغَتْ أكْثَرَ من عِشرينَ فِرْقَةً، وشاعَتْ أقاوِيلُهُمْ بَينَ الناسِ؛ وقد كانَ خروجُهم في خلافَةِ علَيٍّ رضي اللهُ عنه بَينَ سَنةِ (35) وسنَةِ (40) للهجْرَةِ؛ ووفاةُ أبي مجلَزٍ كانَت فِي خلافَةِ عمر بن عبد العزيزِ قيلَ سَنَةَ (101) للهجرة؛ وأكثرُ ما قيلَ أنّها فِي سنةِ (109) وهو قولُ الترْمِذِي، وهكذا من حُكِيَتْ أقوالُهُمْ من الصحابَةِ والتابِعِينَ وتناقَلَها المُفَسّرُونَ, فإنّ وَفاتَهُمْ كانتْ فِي هذه المدة أو قَرِيبًا