بِهِ اللهُ، زَائِدٌ عَلَى أَصْلِ كُفْرِهِمْ بِالشِّرْكِ بِاللهِ تَعَالَى، فَإِنَّ شَرْعَ الْحَلالِ وَالْحَرَامِ وَالْعِبَادَةِ حَقٌّ لَهُ وَحْدَهُ، وُمُنَازَعَتُهُ فِيهِ إشراكٌ بهِ فِي رُبُوبِيَّتِهِ وألوهِيّتِهِ.
وهذا الذي كانوا يَصْنَعُونَهُ من جِنسِ قِياسِ الحلالِ بالنصِّ على الحرامِ بالنصِّ؛ كقولِ الذينَ قالوا: {إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا} , فكذبَهُمُ اللهُ تعالَى بقَولِهِ: {وأحلَّ اللهُ البيعَ وحرّمَ الربا} ؛ ومِن جِنسِ قياسِ المشركينَ الذينَ قاسوا المَيْتَةَ على المذكاة وقالوا: تأكلونَ ما ذبحتْ أيدِيكمْ ولا تأكلونَ ما ذبحتْ يدُ اللهِ!، فقال تعالَى: {وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} ، ومِثلُ هذا قولُهُ تعالى: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ} , قالَ فِي أضواءِ البَيانِ: بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَيْ يَتَّبِعُونَ الشَّيَاطِينَ وَيُطِيعُونَهُمْ فِيمَا يُشَرِّعُونَ وَيُزَيِّنُونَ لَهُمْ مِنَ الْكُفْرِ وَالْمَعَاصِي، عَلَى أَصَحِّ التَّفْسِيرَيْنِ، ثُمّ ذكرَ أن الشيطانَ عالِمٌ بأن طاعَتَهُم المذكورَةَ إشراكٌ بهِ؛ كما يَقولُ لَهُم يومَ القِيامَةِ: {إِنّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ} ، أي: فِي دارِ الدنيا، ولم يكفُرْ بِِشرْكِهِم إلاّ يومَ القِيامَةِ، ثمّ ذكرَ تأييدًا لِهذا المَعْنَى حديثَ عديّ وآيَةَ النسيءِ، ثمّ قال: وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَلا شَكَّ أَنَّ كُلَّ مَنْ أَطَاعَ غَيْرَ اللَّهِ فِي تَشْرِيعٍ مُخَالِفٍ لِمَا شَرَعَهُ اللَّهُ، فَقَدْ أَشْرَكَ بِهِ مَعَ اللَّهِ، كَمَا يَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ: وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ، فَسَمَّاهُمْ شُرَكَاءَ لَمَّا أَطَاعُوهُمْ فِي قَتْلِ الأَوْلادِ. انتهى.
وإنّما أرادَ المشرِكُونَ بِمُواطَأةِ النسيءِ عِدّةَ الأشْهُرِ الحُرُمِ أن يُوهِمُوا الناسَ اتّباعَهُمْ لشريعَةِ إبراهِيمَ علَيهِ الصلاةُ والسلامُ؛ وأنّهُم لا يَخْرُجُونَ عن أصولهاو قَواعِدِها، كما يَصْنَعُ المشرّعُونَ اليَومَ الذينَ يَخْتَلِقُونَ للناسِ الأحكامَ والتشريعاتِ التِي ما أنزَلَ اللهُ بِها مِن سُلطانٍ فَتُحِلُّ ما حَرَّمَ اللهُ وتُحَرِّمُ ما حَلَّلَ؛ ثمّ يَزْعُمونَ للناسِ أنها جارِيَةٌ وفقَ أصولِ المصالِحِ والمفاسدِ فِي الشرعِ!؛ تَنتظِمُها كلّياتُ قَواعِدِهِ!!؛ وغيرُ ذلكَ مما يَفَترُونَ.
فَهذه الأدلّةُ - كما تَرَى - قاطِعَةٌ بأنّ اجْتِماعَ طائِفَةٍ من الناسِ - قَلِيلَةً كانَتْ أو كَثِيرَةً - علَى تَحْلِيلٍ أمرٍ أو تَحريمِهِ؛ واتخاذِ ذلكَ قانُونًا مُتَّبعًا وشَرْعًا مُلْزِمًا؛ يُحاكَمُ الناسُ إلَيهِ ويعاقَبُ مُخالِفُهُ؛ إنّما هُو منازَعَةٌ للهِ فِي ربوبِيَتِهِ وألوهِيّتِهِ؛ وأنّ فاعِلَ ذلكَ من المشرّعينَ قَدْ نَصبَ نَفْسَهُ رَبّا يَعْبُدُهُ الناسُ مِنْ دُونِ اللهِ سُبحانَهُ، وأنّ مَن تحاكَمَ إلى هذه الشرائعِ رَاضِيًا بِها؛ طواعِيةً واخْتِيارًا فَقَدْ أشركَ بِهِ سُبحانَهُ.
والأدلّةُ علَى هذا من الكتابِ والسنةِ كَثِيرَةٌ جِدًا؛ والغَرَضُ هُنا الإشارَةُ والتنْبِيهُ لا الاستِقْصاءُ والتتبع.
الثالِثُ: أنهُ لا يلزمُ من كَونِ التشريعِ معْروفًا عندَ السلفِ كما وردَ فِي حدِيثِ البراءِ أن يَكُونَ كلامُهُمْ علَى نَحْوِ قَولِهِ تعالَى: {وَمَن لَم يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهَ فَأولَئِكَ هُمُ الكَافِرُونَ} , وغَيرِها من الآياتِ يَتَناوَلُهُ:
لأنَ حُكْمَ التشريعِ يُؤْخَذُ من المُحكَماتِ التِي أشرْنا إلَيها أولا ...
ولأَنَّهُمْ إِنّما يَلْزَمُهُم الكَلامُ فِي حُكْمِ ما وَقعَ مِن النوازِلِ ثانِيًا؛ لا فِيما لَمْ يَقعْ، بَلْ كانُوا يَكْرَهُونَ الكلامَ فِي هذا الثانِي، ولَم يَكُنْ قَدْ وَقعَ فِي الأُمَّةِ بَعْدُ أنْ تُحَكَّمُ فِيها شَرائعُ اليَهُودِ والنصارَى، وقَوانِينُ الإفْرَنْجِ، وأنْ يُتّخَذَ فِيها مُشَرّعُونَ ما اجْتَمَعُوا علَى حِلِّهِ فَهُوَ الحَلالُ وما اجْتَمَعُوا علَى تَحْرِيمِهِ فَهُوَ الحَرامُ، وأن تُهْجَرَ لأجْلِ ذلكَ أحكامُ الشرْعِ هَجْرًا عامًا، فالناسُ عن تَشرِيعاتِهِم يَصْدُرُونَ وإلَيها يَرِدُونَ!، لَمْ يكُنْ قَدْ وقعَ شيءٌ مِن هذا حَتّى يُقالَ إنّ كَلامَهُمْ مُنْصَرِفٌ إلَيهِ ومَحْمولٌ علَيهِ،