الصفحة 70 من 207

يقولون رَبّنا وربّهمُ الله؛ ولاَ كانُوا يَظُنُّونَ أنَّ فِعْلَهُم هذا مَعَهُمْ عبادةٌ؛ كما يدلّ عليهِ حديثُ عدي بن حاتمٍ رضيَ اللهُ عنه، ورويَ عن عكرِمَةَ نحو هذا المعنى في قوله تعالى: {وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبابًا مِنْ دُونِ اللهِ} ؛ قِيلَ عَنْهُ: إنّهُ سُجُودُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ؛ أَوْ لاَ نُطِيعُ الأساقِفَةَ والرؤَساءَ فيمَا أَمَرُوا بِهِ مِنَ الكُفْرِ والمعَاصِي ونَجْعَلَ طاعَتَهُمْ شَرْعًا.

وهذا هو شِرْكَ الطاعَةِ؛ وهو من أنواعِ الشركِ الأكبَر الأربَعَةِ كما فِي الدرر السنيَةِ وغيرِها؛ وهُو بتوحيد الربوبية ألصقُ منهُ بتوحيدِ الألوهِيّةِ؛ لأن الحُكمَ الشرعِيّ والكونِيَّ كلاهُما إلى اللهِ تعالَى؛ وذلكَ مِن تمامِ ربوبِيّتِهِ، كما قالَ تعالَى: {ومَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللهِ} ، وقال: {إن الحُكمُ إلا للهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ} ؛ وقال: {لَهُ الحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} ؛ وقال: {وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} ، وقال: {وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} .

ورأيتُ فِي حاشيَةِ إعانَةِ الطالِبينَ لأبي بكْرِ الدمياطِيّ ما يلِي: قال الحسنُ: كانَ صومُ رمضانَ واجبًا على اليهود، ولكنهم تركُوهُ وصاموا بَدَلَهُ يومًا من السنة، وهو يومُ عاشوراءَ، زَعمُوا أنّهُ يومٌ أغْرقَ اللهُ تعالَى فيه فِرْعَونَ، وَكَذّبُوا في ذلك الصادقَ المصدُوقَ نبيَّنا مُحَمّدًا صلّى اللهُ عليهِ وسلّم، وَواجِبًا عَلَى النّصارَى أَيْضًا لكِنّهُمْ بَعْدَ أنْ صامُوهُ زَمَنًا طَوِيلًا صادَفُوا فِيهِ الحرّ الشدِيدَ، وكانَ يَشُقّ علَيْهِمْ في أسفارِهم ومعايِشِهم، فاجتمعَ رايُ عُلمائِهِم ورُؤسائِهِمْ أنْ يَجْعَلُوهُ في فَصْلِ الربيعِ لعَدَمِ تَغَيُّرِهِ!، وزادُوا فيه عَشَرةَ أيامٍ كفارةً لِما صَنَعُوا، فَصَارَ أَرْبَعِينَ!،ثم إن ملكا مرِضَ فجعلَ للهِ تعالَى - إِنْ هُوَ بَرِئَ - أَنْ يَصُومَ أُسْبُوعًا، فَبَرِئَ، فزادَهُ أُسْبوعًا، ثم جاءَ بعدَ ذلكَ مَلِكٌ، فقالَ: ما هذهِ الثلاثَةُ؟؛ فأَتَمَّ خَمْسينَ - أيْ أنهُ زادَ الثلاثةَ باجتهادٍ مِنْهُ - وهذا معنَى قولِه تعالَى: {اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبابًا مِنْ دُونِ اللهِ} . انتهى.

قال مُقَيدُهُ عفا الله عنه: فِي هذا الذي ذكرَهُ من جَعْلِ الصومِ في فصلِ الربيعِ مَعَنَى النسيءِ فِي قَولِهِ تعالَى: {إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} .

فإنّ المشرِكينَ كانُوا قَدْ أَحْدَثُوا قَبْلَ الإسْلاَمِ بِمُدّةٍ تَحْلِيلَ الْمُحَرّمِ وَتَاخِيرَهُ إِلَى صَفَرٍ، فَيُحِلُّونَ الشّهْرَ الحرامَ، ويُحَرّمُونَ الشهْرَ الحلالَ، لِيُواطِئُوا عِدّةَ الأَشْهُرِ الأَرْبَعَةِ الحُرُمِ، كما قالَ شاعِرُهُم عُمَيرُ بنُ قَيسٍ:

ألَسْنا الناسِئِينَ علَى مَعَدٍّ ... شُهُورَ الحِلِّ نَجْعَلُها حَرامًا

وإنما سُمّيَ النسيءِ بِهذا, لأنهُ منَ التأخِيرِ؛ ومِنْهُ بَيعُ النسيئَةِ، بلْ قيلَ: إنّهُم لما استَثْقَلُوا جَمْعَ امْرأَةٍ علَى امْرَآتٍ؛ قالوا: نساء, وأَصْلُها فِي اللغَةِ مِنَ النّسِيءِِ، قالُوا: لأنّ المرْأَةَ أُجِّلَ خَلْقُها بعد خَلْقِ الرَّجُلِ.

وهذا الذي ذكرناهُ هو حاصلُ الأقوالِ فِي مَعْنَى النسيءِ علَى اختِلافٍ فٍي صِفَتِهِ؛ وإنما كانُوا يَبْعَثونَ رجلًا فِينادي في الموسم بِذلكَ فَيتّبِعُونَهُ ولا يُردُّ ولا يُعابُ؛ فقالَ تعالَى ذِكْرُهُ: ما النسيءُ إلا زِيادَةٌ فِي الكفْرِ، وإنّما سَمّاهُ زِيادَةً فِي الكُفْرِ إما لأنّهُ كُفْرٌ إلى كُفْرِهِم، وإما لأنّهُ تَضمّنَ تَحْلِيلَ شَهْرٍ حَرامٍ وهذا كُفْرٌ؛ وتحريمَ شَهْرٍ حلالٍ وهذا كُفْرٌ أيضًا، وحكمَ اللهُ تعالَى عليهم بالكفرِ بأنهم أحلّوا ما حرّم الله؛ وحرموا ما أحلّه، فعُلِمَ مِنْ هَذَا أَنَّ النَّسِيءَ الذي كانوا يَفْعَلُونهُ تَشْرِيعٌ دِينِيٌّ مُلْتَزَمٌ؛ غَيَّرُوا بِهِ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ بِسُوءِ التَّاوِيلِ وَاتِّبَاعِ الْهَوَى، فَلِهَذَا سَمَّاهُ اللهُ زِيَادَةً فِي الْكُفْرِ، أَيْ أَنَّهُ كُفْرٌ بِشَرْعِ دِينٍ لَمْ يَاذَنْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت