عن السلَفِ رحِمَهُم اللهُ فِي تَفْسيرِ بَعْضِ الآياتِ ما يُخالِفُ ظاهِرُهُ المُحْكَماتِ مِنْها وجَبَ الرجُوعُ إلَى المُحْكَمِ؛ وحَمْلُ كَلامِهِمْ علَى وَجْهٍ لا يُعارِضُها؛ كما سيأتِي بَيانُهُ إن شاء اللهُ تعالَى.
ولا بُدَّ هُنا مِن ذكْرِ بَعْضِ المُحْكَمِ من ذلكَ؛ ليَكُونَ المسلِمُ علَى بَصِِيرَةٍ من دِينِهِ؛ واللهُ يُصلِحُ أحوالَنا وأحْوالَ المسلمينَ.
مِنْها قَوْلُهُ تعالَى: اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (31) يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَابَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (32) , هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (33) .
حديثُ عديّ بن حاتِمٍ في هذه الآياتِ مَعْروف؛ رواهُ الترمذي في السنن وابنُ جريرٍ فٍي التفسيرِ وغَيرُهُما؛ وفيه أنّ عديا لما سمعَ النبِيّ صلى الله عليهِ وسلم يقرأ هذه الآياتِ؛ قالَ: إنا لسنا نَعْبُدُهُم؛ فقال: أَمَا إِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَعْبُدُونَهُم، وَلِكِنّهُمْ كانُوا إِذا أَحلُّوا لَهُم شَيْئًا اسْتَحَلُّوهُ، وإذَا حرَّمُوا عَلَيْهِم شَيْئًا حرَّمُوه، زاد البخاري في التاريخ وغيرُه: فتلك عِبادتهم.
ورُوي نُحو هذا عن حُذيفَةَ رضي اللهُ عنه؛ وقال: فتلك َ كانت ربوبِيّتَهم، وعن أبي البحتري نحوهُ؛ وقال: ولو قالوا اعبدونا لم يفعَلُوا، وقالَ الطبَرِيُّ: هُم العُلماءُ.
وقد قال الربيع بن أنس لأبي العاليةَ: كيف كانت الربوبيةُ التي كانت في بني إسرائيل؛ فقال: لَمْ يَسُبّوا أَحبارَنا بِشَيْءٍ مَضَى؛ مَا أَمَرُونا بِهِ ائتَمَرْنَا، ومَا نَهَوْنا عَنْهُ انْتَهَيْنا لِقَوْلِهِم!، وَهُمْ يَجِدُونَ فِي كِتابِ الله مَا أُمِرُوا بِهِ ومَا نُهُوا عَنْه، فاسْتَنْصَحُوا الرّجالَ، ونَبَذُوا كتابَ اللهِ وراءَ ظُهُورِهْم.
ويُؤيّدُ هذا أنّ اللهَ تعالَى سَوّى بَينَ طاعَةِ الأحبارِ والرهبانِ طاعَةً مُطْلَقَةً فِي التحليلِ والتحريمِ؛ وبينَ اتخاذِ النصارَى المسيحَ ابنَ مَريمَ رَبًا، سواءٌ منْهُم مِن اعتقدَ ألوهِيّتَهُ؛ أو أنهُ ابنُ اللهُ؛ أو أنهُ ثالثُ ثلاثَةٍ؛ فإنّ مَعْنَى الآيَةِ: اتّخذُوا أَحْبارَهُمْ ورُهْبانَهُم والمسيحَ ابنَ مرْيَمَ أربابًا مِن دُون ِاللهِ، ولذا قال عقبَ هذا: وما أُمرُوا إلا لَيعْبُدُوا إلهًا واحدا؛ فدلّ على أن اجتماعَ الأحبارِ والرهبانِ على التحريم والتحليلِ واتخاذ الناسِ ذلكَ شرعًا مُتبعًا عُبودِيّةٌ لغَيرِ اللهِ تعالَى؛ قالَ ابنُ جرير في تفسيرها: لا تنبغي الألوهية إلا للواحدِ الذي أُمِرَ الخلْقُ بعبادَتِهِ؛ ولزمتْ جميعَ العبادِ طاعَتُهُ، ثُمَّ صَرحَ بأن هذا الصنيعَ مِنهُم شرْكٌ بِهِ تعالَى فقالَ: {سُبحانَه وتعالَى عما يشركونَ} ؛ قال ابن جرير: يقول: تَنْزِيهًا وَتَطْهيرًا للهِ عَمّا يُشرَكُ فِي طاعَتِهِ ورُبُوبِيّتِه، القائلُون: عزيرٌ ابنُ الله، والقائلون: المسيحُ ابنُ الله، المتّخِذُونَ أَحْبارَهُمْ أَرْبابًا مِنْ دُونِ اللهِ.
وفي تَتِمّةِ الآياتِ تأكيدٌ علَى هذا المعْنَى فإنّ الله تعالَى ذكر أنهُ مُتِمٌّ نُورَهُ؛ وهو دينُ التوحيدِ الذي تكفّلَ بِحْفْظِهِ؛ وأنّ سَعْيَ الكفارِ فِي إبطالِهِ وردّهِ لا يضرهُ شيئًا، وأنهُ سيُعْليهِ على سائر الأديانِ بالبُرْهانِ والسنانِ.
فدلّت هذه الآياتُ على أن اجتِماعَ الملأِ على تحريم شيءٍ أو إباحَتِهِ مُنازَعَةٌ للهِ فِي رُبوبِيّتِهِ؛ ومشارَكَةٌ لهُ فِي أولوهِيّتِهِ، وعَبرّ بلفظِ الأربابِ إشارَةً إلَى أنّ التشريعَ من خصائصِ الربوبِيّةِ؛ وأنّ الخالِقَ وحْدَهُ سُبْحانَهُ هُو الذي إليهِ التشريعُ حَلالُهُ وحَرامُهُ؛ وأنّ طاعَةَ الأرْبابِ ومُتابَعَتَهُم على ذلكَ إشراكٌ بِهِ سُبحانَهُ؛ فإنّ تخصيصَ العبادَةِ بهِ سُبحانَهُ لا يَتَحَقَّقُ إلا بِتَخْصِيصِ الطاعَةِ أيضًا بِهِ تباركَ وتعالَى، ولذا قالَ: {اتّخذُوا} ؛ لبَيانِ أن المقصودَ مُتابَعَتُهم على ذلكَ، فإنّ هذه المتابَعَةَ من العِبادَةِ كما سمّى اللهُ تعالَى اتباعَ الشيطانِ عِبادَةً فِي قَولِهِ: {لاَ تَعْبُدِ الشَّيْطانَ} ؛ وقَولِهِ: {بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الجِنّ} ؛ فَهَؤلاءِ الذينَ أَخْبَرَ اللهُ عَنْهُمْ فِي هذِهِ الآيَةِ لَمْ يُسَمُّوا أحبارهم ورُهبانَهم أربابًا ولا آلهةً ولاَ كانُوا يَعْتِقِدُونَ ربُوبِيّتَهُم؛ بل