الصفحة 66 من 207

ولابنِ تَيمِيةَ رحمهُ اللهُ في المجلدِ التاسعِ عشرَ من المجموعِ كلامٌ طويلٌ عن النجاشِي قالَ في آخره: وَكَثِيرًا مَا يَتَوَلَّى الرَّجُلُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالتَّتَارِ قَاضِيًا بَلْ وَإِمَامًا؛ وَفِي نَفْسِهِ أُمُورٌ مِنْ الْعَدْلِ يُرِيدُ أَنْ يَعْمَلَ بِهَا فَلا يُمْكِنُهُ ذَلِكَ؛ بَلْ هُنَاكَ مَنْ يَمْنَعُهُ ذَلِكَ وَلا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَهَا. انتهى.

ولا يُعْتَرَضُ علَى هذا بأنّ كُلَّ مُعْرضٍ عن شَرِيعَةِ الإسلامِ إلى الشرائعِ الكافِرَةِ يَحْتَجُّ بِمِثْلِ هذا؛ لأنّ لِقَرائِنِ الأحوالِ مَدْخَلًا عَظِيمًا فِي التفْرِيقِ بَيْنَ الاثْنَينِ والتمْييزِ بَينَ الحُكْمَينِ, وأيضًا فَعُموم الأحكامِ شيءٌ؛ وتنْزيلُها على الأعيانِ شيءٌ آخَر، وليسَ هذا الحُكْمُ خاصا بِحماسٍ أيضًا؛ بل هُو عامٌّ فِي كلِّ مَن كانَ حالُهُ حالَها، واللهُ يَهْدِي من يشاءُ إلَى صراطٍ مُستقِيم.

ولا فَرْقَ عِنْدِي بَينَ حَركَةِ حَماسٍ وحكُومَتِها فِيما أشَرْتُ إلَيهِ من الأعْذار، وقَدْ ذكرْتُ فِي بَيانِ حُكْمِ قِتالِ اليَهُودِ مَعها أنّ ما يَأخُذهُ الناسُ علَيها فَهُم بَينَ مضطرينَ إلَيهِ ومُتأولِينَ فِيهِ، وهِي جَمْلَةٌ تَجْمَعُ ما أشرْتُ إلَيهِ فِي صَدْرِ هذا الجَوابِ وغَيرَهُ مما لا يَتسعُ المقامُ له.

وأيضًا فالعدْلُ واجِبٌ مع الموافِقِ والمخالِف؛ وما يقالَ من أنَّ القِتالَ الذِي يَقعُ بَينَ (حماسٍ) وغَيرِها من المسلمينَ إنّما يَحْمِلُهُم علَيهِ الحَرْبُ علَى (الإسلام والتوحِيدِ) ؛ فُمجازَفَةٌ من القائلِ خارِجَةٌ عن طِرِيقَةِ الفِقْهِ فِي الدينِ، نَعَمْ قِتالُ المُسلمِ وقَتْلُهُ عظِيمٌ عندَ اللهِ تعالَى؛ ومَن تَوَلَّى كِبْرَ ذلكَ فَعَلِيهِ أن يُعِدَّ بَينَ يديِ اللهِ تعالَى جوابًا عَما صَنع، وما نَعْلمُ سَببًا بَعْدَ الشركِ باللهِ تعالَى أسرعَ فِي زوالِ المُلْكِ وذهابِ الدولَة والسلطانِ من سَفْكِ الدمِ الحرامِ ظُلما وعُدْوانًا، وهذا حُكمٌ عامّ يتناوَلُ كُلَّ مسلِمٍ أو جماعَةٍ من المُسلمينَ هناكَ - حماسًا وغَيرَها - إذ الأصلُ فِي دماءِ جميعِهم العصْمةُ إلا بُبْرهانٍ ناهضٍ من الشرع، لكنْ يَنْبَغِي أن يُقالَ أيْضًا: قَدْ يَكونُ الحامِلَ علَى المَكروهِ والوقوعِ فِي الخطأِ خطَأٌ آخَرٌ سَبَقَ الأوّلَ فَنَتَجَ عَنهُ وتَوَلَّدَ مِنه، فَيَكُونُ مِن بابِ مَن سألَ عن أَمْرٍ فَحُرِّمَ لأجْلِ مسألَتِهِ؛ فالسؤالُ فِي الشرْعِ وإنْ كانَ مُسْتَحبا لأنّهُ مِفتاحُ العِلْمِ كما قِيلَ؛ لكنّهُ لما أفضى فِي هذا الموطِنِ إلى إيقاعِ الناسِ فِي الحرجِ والإثْمِ مع ما جاءَ بِهِ الشارِعُ من التيسيرِ علَى الناسِ كانَ السائلُ مِن أعْظَمِ الناسِ جُرمًا، وهكذا هُنا: فإنّ كَثِيرًا مِن الناسِ يَحْمِلُونَ غَاياتٍ نَبِيلَةً وَقِيَمًا عُلْياَ؛ فِيها - مَتَى تَحَقَّقَتْ - سَعادَةُ البَشَرِ فِي الدُّنْيا والآخِرَةِ، لكِنَّهُمْ فِي كَثِيرٍ مِن المَواطِنِ يَغِيبُ عَنْهُمْ - لِجَهْلٍ أو غَفْلَةٍ - أنَّ الدَّعَواتِ تَتَعامَلُ مَعَ البَشَرِ والأسْبابِ؛ لا مَعَ خَرْقِ العاداتِ والكَراماتِ، ومِن الأسبابِ مُراعاةُ ما يستَجِدُّ من النوازلِ والأحوالِ المُتعلقةِ بِمصالحِ المسلمينَ كما أشرنا إليهِ فِي صدرِ الجواب، ومعَ ذلكَ تَرى مَنْ يُقْحِمُ نَفْسَهُ ودَعْوَتَهُ فِي مَضايِقَ لَهُ عَنْهَا مَنْدُوحَةٌ بِما جَعَلَ اللهُ تَعالَى مِن التَّيْسِيرِ فِي دِينِهِ وشَرْعِهِ؛ فإِذا بِهِ يَجْنِي علَى دَعْوَةِ الحَقِّ أوَّلًا؛ وعَلى مَنْ مَعَهُ مِن الأتْباعِ ثانِيًا؛ وعَلَى نَفْسِهِ ثالِثًا؛ ويُجَرِّئُ الجَهَلَةَ مِن الخُصُومِ رابِعًا، ويَفْتَحُ علَى المُسْلِمِينَ بابًا يَلِجُ مِنْهُ عَدُوُّ الدِينِ خامِسًا، ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إِلاَّ باللهِ.

فَعلَى مَن أَرادَ مِن العُلَماءِ والدُّعاةِ = في غَزَّةَ أو غَيرِها - أنْ يَقُومَ بَأَمْرٍ يَتَعَلَّقُ بِمَصالِحِ المُسْلِمِينَ أنْ يُشاوِرَ أَهْلَ الحَلِّ والعَقْدِ مِمَّنْ يَثِقُ بِدِينِهمْ وإِنْصافِهِمْ وأَمانِتِهِمْ، أمّا التَّفَرُّدُ بالرَّاي فِي أَمْرٍ تَلْحَقُ تَبِعاتُهُ جَماعَةَ المُسْلِمِينَ؛ ثُمَّ مُطالَبَتُهُمْ بِتَحَمُّلِ الثِّمارِ والتَكالِيفِ - وَرُبَّما كانَ فِيهِمْ مَنْ هُوَ أَحْكَمُ رَايًا وأَصْوَبُ قَولًا - معَ ما قَدّمْناهُ من حالِ المُسلمينَ هناكَ؛ ومعَ الغفْلَةِ عن المكْرِ الخَفِيِّ الذي يُرادُ بِهِمْ؛ ثُمَّ ما يَتَرتّبُ علَى ذلكَ من توهِينِ شوكَةِ المسلمينَ؛ وتفْريقِ جماعَتِهِم فِي مقابِلِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت