الصفحة 67 من 207

عدوهمُ الذي لا تخفى عداوتهُ على أحد؛ وفَتحِ بابِ الفِتَنِ علَى مصارِيعها بَينَ الناسِ يقتلُ بعضهُم بعضًا ويُفْنى بَعْضُهُم بَعْضًا؛ والبلادُ مزْدَحِمةٌ بالقبائلِ والعشائر!، فلا واللهِ ما هذا بالنصفَةِ؛ ولا يلْزمُ المسلمينَ شيءٌ من تَحمّلِ هذه التبِعاتِ، وتَأمُّلُ المَرْءِ فِي عاقِبَةِ ما يَصْنَعُ بِمصالِحِ المسلمينَ مِن أَوْجَبِ الواجِباتِ؛ وليس يدركُ ذلكَ إلا بالعلمِ المَتينِ الذي يَجْمعُ ما يُحتاجُ إلَيهِ من المعارِفِ كما قدمناه؛ وبالرجوعِ إلى أهل الرأي من المسلمينَ؛ إِذِ المَطْلُوبُ حُصُولُ المُقْصُودِ بِأَيْسَرِ التَّكالِيفِ، أَما التَّعَلُّقُ بالمَقاصِدِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَن القُدْرَةِ علَى الأسبابِ!؛ فَمِنْ شَانِهِ أنْ يَنْقِطِعَ مَعَهُ المَرْءُ عَنْ بُلُوغِ الغايَات؛ وأن يُحالَ بَينهُ وبينَ إدراكِ ثمارِ النهاياتِ، فَمَن أغْفلَ هذا كلّهُ ووجدَ ما لا يُحْمَدُ فلا يلومَنّ إلا نفسه.

وما في السؤالِ من أنّ ما تَقَدَّمَ مِني من الفتاوي كانَ مَبْناهُ البُعْدَ عن مَعْرفَةِ واقِعِ الحالِ هناك، فكلامٌ لا يُقَدِّمُ ولا يُؤخّرُ، ودعْوى يُمْكِنُ أن تُقابلَ فَتْوى المُخالِفِ بِمثْلِها، وإِنّما يُعْتَبَرُ من الواقِعِ مالَهُ أثَرٌ علَى حُكمِ النازِلَةِ المذكورةِ، ولَم نَرَ فِي قَولِ المُخالِفِ فِي ذلكَ ما يَصلحُ للتعوِيلِ علَيهِ، لا مِن العِلْمِ بالشرْعِ ولا بالواقِعِ الذي يُشيرُونَ إلَيهِ، بل رَأيناهُ قَدْ حَضرَهُ شيءٌ وغابت عنه أشياءٌٌ كما يُقالُ!، و فوقَ هذا فقَد طالَعْتُ ما كَتَبَهُ بَعْضُ مَن سَمّيتَ لِي مِمّن نَعَتّهُم بالمَشايخِ فَلَم أرَ فِيهِمْ مَن يَصِحُّ أن يوصَفَ بالطلَبِ للعِلمِ فَضْلًا عن الوصفِ بالمشيَخَةِ والفِقْهِ فِي الدينِ! , والذي أنْصَحُكَ بِهِ ومَن لِي عَلَيهِ دالّةٌ من الطلَبَةِ والإخوانِ الحذرُ مِن التعويلِ على كُتُبِ من ذكَرْتَ فِي هذه المسائلِ خاصّةً؛ فإنّهُم أَنْفُسَهُمْ لَو كَتَب اللهُ تعالَى لَهم التوفِيقَ وطلَبُوا العِلمَ على الجادّةِ لظَهَرَ لَهُم ما فِيها من ضَعْفٍ فِي أصولِ العِلْمِ وخَلَلٍ فِي القواعِدِ، وحَسبُكَ بِكلامِ من شَهِدَ لهمُ الأكابِرُ بالعِلْمِ والفِقْهِ فِي الدينِ؛ وهُم كَثِيرٌ وللهِ الحمدُ؛ فاجْعَلْهُم العُمْدَةَ لدينكَ؛ والحجةَ لكَ عندَ ربكَ؛ كما قالَ سُبحانَهُ: {فَاسْئلُوا أَهْلَ الذّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلُمُونَ} ؛ واللهُ يَهْدِينا وإياكَ سواءَ السبيل.

وأما مُراعاةُ المصالِحِ العامّةِ فِي الفَتوى؛ والتِي هِي مصالِحُ كافّةِ المسلمينَ؛ فذلكَ مِن أوجَبِ الواجِباتِ علَى مَن تَصَدَّى لذلكَ من أَهْلِ العِلْمِ؛ خاصة فِي نحو هذه النوازلِ؛ فإنّ رِعايَةَ ذلكَ مما جاءَ بِهِ الشرعُ المطهّرُ؛ بلْ هُو مِن مَقاصِدِ الشرعِ؛ ومِن عَلاماتِ الفقهِ فِيه؛ وما مِن قَصورٍ يَقَعُ فِي هذا البابِ إلا كانَ ضَرَرُهُ على أهلِ الإسلامِ كافّةً, وإنّما راعَيْنا فِي الفَتْوى هذا وحَسْبُ؛ لا كما قالَ صاحِبُكَ: أو مُوافَقَةً لسياسَةِ الجَماعَة!؛ ولَستُ أدْرِي أي جَماعَةٍ يَعْنِي!؛ وقَدْ عَصمَنِي اللهُ تعالَى من الانتسابِ إلى شيءٍ مِن الفِرَقِ والجماعاتِ صَغِيرِها وكَبيرِها مُنْذُ وعَيْتُ الدُّنْيا وإلى يَومِي هذا؛ وأنا والله أفْخَرُ بذلكَ، ولسْتُ أعْرِفُ إلا الانْتسابَ إلى الأمّةِ المسلمَةِ بأسرْها والحمدُ للهِ رب العالمين؛ ونَحْنُ نَرَى أنّ الانْتِماءَ الحِزْبِي والطائفِي آفَةٌ من آفاتِ الطلَبِ وعَقَبَةٌ تَحولُ بَينَ المَرءِ وبَينَ الفِقْهِ فِي الدينِ الذي يَحْتاجُهُ المسلِمونَ اليوم، نعم؛ ونفرّقُ بَينَ العصبِيّةِ المذمومَةِ والانْتِماءِ والمذمومِ وبَينَ التعاوُنِ معَ سائرِ المسلمينَ على أنواعِ الطاعاتِ والقرباتِ ومنها الجهادُ فِي سبيلِ الله؛ وإنما أنا خادمٌ من خدامِ الشرعِ والعِلمِ؛ اجتهدُ رأيِي ولا آلُو النصْحَ للمُسلمينَ خاصتِهم وعامتهم؛ وما ذكرتهُ في هذه النازِلَةِ في هذا الموضع وفيما سبقَ لم أراعِ فيهِ إلا مُقْتَضَى ما بَلغَ إلَيهِ عِِلمي؛ مقدما في ذلكَ حقّ الله تعالى أولا ثُمَّ مصالحَ أهلِ الإسلامِ ثانيًا؛ واللهُ يعصمنا وإياك من مُضلاتِ الفِتنِ ما ظهَرَ منها وما بطنَ؛ والحمدُ للهِ رب العالمين.

كان الله له

خادمُ العلم وأهله

أبو الوليد الغزي الأنصاري

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت