والمعاقِينَ والأرامِل واليتامى؛ معَ تخاذلِ الناسِ عن نَصْرَتِهِم؛ والتربُّصِ بِهِم من القَرِيبِ والبعِيدِ؛ كُلُّ هذهِ من الضروراتِ التِي يُباحُ مَعها ما لا يُباحُ فِي غَيرِها؛ وإذا جازَ لمنْ دخَلَ دارَ الحَرْبِ أن يَتْرُكَ الهدْيَ الظاهِرَ؛ أو أن يَتَزَيا بِزِيِّهِمْ؛ أو يتظاهَرَ بِمظاهِرِهِم إذا اقتضتْ مصلحةُ الجِهادِ ذلكَ؛ أو أن يُعَرِّضَ فِي كلامِهِ بما يَدْفعُ عنهُ غائلَةَ العَدُو وضَرَرَهُ؛ أو أنْ يُصَرّحَ بالكَذِب إذا اضْطُرَّ إلَيهِ، أو أن يُعَرِّضَ فِي دارِ الرافِضَةِ بِما يَدْفعُ أذاهُمْ؛ ونحوُ هذا؛ إذا جازَ هذا وذاك فجوازهُ لمِثْلِ هذه الضروراتِ المذكورَةِ أولَى.
وقد ثَبَتَ فِي مُسنَدِ الإمامِ أحمدَ رَحِمَهُ اللهُ فِي قصّةِ النجاشِيّ - لما أرادَ بَعْضُ قَومِهِ سلْبَ مُلْكِهِ وخَشِيَ علَى مَن عِندَهَ من المهاجِرِينَ المُسلِمينَ - أنهُ خَرَجَ إلَى لقائِهِم وَأخْفَى أوراقًا مِن المَصْحَفِ فِي جَيبِ قَمِيصِهِ؛ وعلّقَ علَى صَدْرِهِ صَلِيبًا؛ فَلما قالُوا لَهُ إنكَ قَدْ غَيَّرْتَ دِينَكَ وبَدَّلْتَ؛ وضَعَ يَدَهُ علَى صَدْرَهُ وحَلَفَ لَهُم أنّهُ يُؤْمِنُ بِما هُناكَ؛ وإنما يُرِيدُ القُرآنَ الذِي أُنْزِلَ علَى محمدِ صلّى اللهُ علَيهِ وسلّمَ؛ وهُم يَحْسبونَهُ يريدُ الصليبَ، وقد أثنى النبِيّ صلى الله عليه وسلم على النجاشيّ ونعاهُ يومَ وفاتِهِ لأصحابِهِ بِقَولِهِ: لقد ماتَ اليومَ أخٌ لكمْ صالحٌ من الحَبَشَةِ؛ ثمّ صلّى عليه.
فمثلُ هذا - وغيرُهُ فِي الشرعِ كَثِيرٌ أشرْنا إلَيهِ فِي غيرِ هذا الموضعِ - هو الذِي يحتاجُهُ المسلمونَ هناكَ؛ وهُو مِما يَصْلُحُ للجَوابِ عَنِ المجازَفَةِ بتَكْفِيرِ (حماسٍ) لما يُرَدِّدُه الناسُ من الأسبابِ؛ والظاهِرُ أن الحامِلَ عَلَيها هُو هذه الضروراتُ المذكورَةُ؛ والتعْبِيرُ بالضرُوراتِ فِي هذا البابِ أولَى من تَعْبِيرِ بَعْضِهِم بالإكراهِ؛ لما ذكرناهُ من أن المصالحَ العامّةَ تجْرِي مجري الضروراتِ الخاصَّةِ؛ ولأنَّ الواجِبَ علَى السلطانِ حَمْلُ الناسِ علَى الأرْفَقِ بِهِم ما استَطاعَ إلَيهِ سبيلًا، فكيفَ وحالُ المسلمينَ هُناكَ لا يَخْفَى على أحدٍ، ولا حولَ ولا قُوّةَ إلا بالله.
وأيْضًا فاجْتِماعُ الحَسناتِ والسيئاتِ فِي المُسْلِمِ مُوجِبٌ حَمْلَ ما يَقَعُ منهُم من الخطأِ علَى حُسْنِ الظنِّ ما أمكَنْ؛ والواجِبُ إعمالُ النظَرِ فِي جُمْلَةِ أحوالِهِمْ, والنظَرُ إلى مالهُم مِن السابِقَةِ فِي أعْمالِ البرّ والخَيرِ والدعْوَةِ والجهادِ؛ فإنّ ذلكَ يُغَلِّبُ علَى الظنِّ سلامَةَ القَصْدِ؛ وهذا وَحْدَهُ مما يَدْحَضُ القولَ بالتكْفِيرِ؛ فكيفَ إذا انْضافَ إلَيهِ جَميعُ ما ذكرْناهُ؟!.
وأما تَحْكِيمُ الشرْعِ فَفَرْضُ لا يَسعُ الناسَ تَركُهُ؛ وتحْكِيمُ الشرائعِ الوَضْعِيّةِ المناقِضَةِ لشريعَةِ الإسلامِ؛ والتحاكُمُ إلَيها طوْعًا واخْتِيارًا شِرْكٌ باللهِ فِي حُكْمِهِ، والواجِبُ علَى المسلمينَ البراءَةُ إلَى اللهِ تعالَى مِنْهُ وتَحكِيمُ شريعَةِ الإسلامِ فِي غَزّةَ وفِي جَميعِ أمصارِ المسلمينَ، نَعَمْ؛ لكنْ ما هذا نِهايَةُ الكلامِ فِي البابِ، وما الحكمُ بِهذِهِ العُموماتِ غايَةَ الفِقْهِ فِي الدينِ حَتى يُحاكَمَ المسلمونَ إلَيها فَيكونَ من خالَفَ فَهْمَ الناسِ لَها خارجًا عن أصول الدينِ وقواعِدِ الإسلامِ، بل التمسُّكُ بالعُموماتِ علَى هذا الوجْهِ بِضاعَةُ المُفْلِسينَ؛ لا عُمْدَةُ المُتَضَلّعِينَ المُحقِقينَ، والجاهِلُ يَقْفُ عِنْدَها فلا يُبْصِرُ ما وَراءَها! يَحْسَبُ أنها غايَةُ النّهايَةِ!!؛ وهِي عِندَ الراسخينَ فِي العِلْمِ قاعِدَةُ البدايَةِ، فَوَيلٌ للأخِرِينَ مِن الأَوَّلِينَ، بَلَى واللهِ؛ وَوَيلٌ للعالِم - في زماننا هذا - من الجاهِلِ!، وَوَيلٌ للأمَّةِ مِمَّنْ هُو لا مِنْ هذا ولا مِنْ ذاكَ!، وإلاّ فإنّ تحْكِيمَ الشرعِ كغَيرِهِ من التكالِيفِ؛ إنّما تَجِبُ معَ القُدْرَةِ؛ ولا يَسقُطُ المُيسورُ مِنها بالمعْسُورِ؛ ومع العَجْزِ يسقطُ التكْلِيفُ، ومَتى زالَ العَجْزُ لزِمَ القِيامُ بِهِ، ولَيسُوا سواءً؛ سُلطانٌ وَرِثَ دَولَةً وحُكْما فاسِدًا فاجْتَهَدَ فِي إصلاحِهِ ما أمْكَنَهُ؛ وما لم يَقْدِر على إزالَةِ جَميعِهِ من المُنْكَرِ سَعَى فِي إزالَةِ بَعْضِهِ الذي يستطيعُهُ؛ وفِي نَفْسِهِ أمورٌ من العَدْلِ يَتْركُها لأنّهُ لا يَقْدِرُ علَيها، وآخَرُ يَسعَى فِي بلادِ المُسْلمينَ فَسادًا؛ فَيُحِلّ ما حَرّمَ اللهُ بإحلالِ الشرائعِ الكافِرَةِ محلّ شرِيعَةِ الإسلامِ، ثُمَّ هو يُمَكِّنُ أعداءَ الإسلامِ من حُرُماتِ المُسْلمينَ وبلادِهِم، ولا واللهِ ما استَوَيا ولا يَسْتَوِيانِ.