لَقَدْ أوتِي القَومُ جَدَلًا, وما ضَلَّ قَومٌ بَعْدَ هُدَىً آتاهُمُ اللهُ إياهُ إلا ابْتُلُوا بالجَدَلِ، ولَن يَكُفَّ هؤلاءِ إلاّ أنْ تُسَغَّرَ نارُ الفِتَنِ بَينَ المُسْلِمينَ هُناكَ في غزة؛ فإنّنا لا نَعْلَمُ مَطِيَّةً للعَدُوِّ المُتَرَبِّصِ بِهِمْ مِن الكفارِ والمنافِقِينَ خَيرًا مِن الجَهْلِ وأَهْلِهِ؛ واللهُ يَتَولَّى المُؤْمِنينَ.
وأنا أقولُ للسائلِ حَفِظِهُ اللهُ جَمْلَةً تُرِيحُهُ وتُرِيحُ من أرادَ اللهُ لَهُ الهِدايَةَ إن شاء الله: إنَّ الحَلالَ بَيِّنٌ والحَرامَ بَيِّنٌ؛ وهكذا الشأنُ مَعَ (حَماسٍ) ؛ صَوابُها مِن المُحافَظَةِ على دينِ الناسِ فِي تلكَ البلادِ ومِن جِهادِ العَدُوِّ الصائلِ وبذلِ الدماءِ والنفوسِ لأجلِ ذلكَ واضِحُ لا يَخْفَى إلا علَى جاحِدٍ أو جاهِلٍ أوْ بَلِيدٍ، والخطأُ المخالِفُ للشرْعِ واضِحٌ بَيَّنٌ، لكنْ يَنْبَغِي أنْ يُعْلَمَ أنَّهُ ما كُلُّ خَطأٍ - علَى اخْتِلافِ مراتِب الخطأِ فِي الشرْعِ- يُؤاخَذُ المَرءُ بِهِ؛ فَضْلًا عن مُؤاخَذَةِ جماعَةٍ المُسلِمينَ، وقَدْ يُوصَفُ الخَطأُ بالكُفْرِ والبِدعَةِ والمَعْصِيَةِ مَعَ ارْتِفاعِ المُؤاخَذَةِ عن الفاعِلِ لِقِيامِ العُذْرِ المُعْتَبَرِ شَرْعًا، مَعَ التفْرِيقِ فِي المَؤاخَذَةِ أيضًا بَينَ خِطابِ التكلِيفِ وخطابِ الوَضْعِ كما يَقَعُ فِي دِيَةِ القَتْلِ الخَطأِ.
وهذه الرتْبَةُ الأخِيرَةُ هِي مَحَلُّ الاجْتِهادِ والنظَرِ؛ وهِي مَحَلُّ تَفاوُتِ مَراتِبِ الفِقْهِ فِي الدِينِ؛ وهِي مَطارِحُ الأفْكارِ؛ ومراتِعُ الأنظارِ، فَلا مَدْخَلَ فِي هذا البابِ للجَهَلَةِ ولا لأنْصافِ المُتَعَلِّمِينَ؛ ولا عِبْرَةَ فيهِ بأقوالِ نَحْوِ أبِي شِبْرِ وأبِي عُقْلَةَ وأبِي قُلامَه؛ ومَن أعْرَضَ عَنها فَقَدْ أحْسَنَ كُلَّ الإحْسانِ ولا مَلامَة، وما أنصافُ المتعلمينَ هؤلاءِ إلا (تَتارَ العِلمِ) !؛ فأوقاتُ طلَبَةِ العِلمِ أشرَفُ من أَنْ تُضيّعَ فِي أخبارِهِم كما قالَ السبكِيُّ في الطبقاتِ الكبرى رحمه الله.
ثُمَّ إن الاجْتِهادَ فِي هذا الزمانِ وإن كانَ كَسابِقِهِ من الأزْمِنَةِ يَرْجِعُ إلى أصْلٍ واحِدٍ إلاّ أنَّهُ الآنَ قَدْ تعَدّدَتْ مآخِذُهُ؛ وتنَوَّعَتْ مَصادِرُهُ ومَوارِدُهُ؛ خاصَّةً ما يَتَعَلَّقُ مِنهُ بالمَصالِحِ العامَّةِ للمُسلمِينَ؛ ومِن هذا أبْوابُ السياسَةِ الشرْعِيّةِ التِي تَتَجَدَّدُ مجالاتُها دَائِمًا بِتَغَيُّرِ أحوالِ الأمَمِ والشعُوبِ وتَبايُنِ مَصالِحِها، فكَيفَ وقَدْ تقارَبَ الزمانُ والمكان؛ وتقاطَعَت المصالِحُ بَينَ الأمَمِ وتَبايَنَتْ؛ مَعَ ما عَلَيهِ حالُ الأمّةِ من الانْقِسامِ المُوجِبِ للضّعْفِ والوَهنِ؛ وتَسلُّطِ أمَمِ الأرْضِ علَيها؟؛ وزِدْ علَى ذلكَ تَشعُّبَ أنواعِ العُلومِ والمعارِفِ التِي صارَتْ مِن أعظَمِ أسبابِ القوَّةِ بَينَ الأُمَمِ، وفَوقَ هذا فالعَدُوُّ آخِذٌ بِناصِيَتِها وزِمامِها يَستَغِلُّها فِي خِدْمَةِ مصالِحهِ وتحقِيقِ مآرِبِهِ، فَمَنْ أرادَ أنْ يَنْظُرَ فِي حالِ (حماسٍ) أو غَيرِها وما لَها وما علَيها؛ فَعَلَيهِ أن يَنْظرَ فِي هذا كُلِّهِ؛ ولم تَزلْ السياسَةُ المُعاصِرَةُ التي ينتهِجُها العدوّ خاصةً ذاتَ وَجْهَينِ؛ باطِنٍ وظاهِر؛ ولَيسَ ذلكَ إلا بابًا مِن أبواب المَكْرِ أو أبوابِ الخَدِيعَةِ فِي الحَرْبِ، والوَجْهُ الباطِنُ وَخفاياهُ وأسرارُهُ قَلَّ أن تَجِدَ من الناسِ مَن يَتَفَطَّنُ إلَيهِ, بل يصعُبُ على الواحدِ في العادَةِ أن يُحيطَ بهِ؛ ولذا أشرْنا فِي غَيرِ مَوطِنٍ إلَى أنَّ الاجْتِهادَ الجَماعِيَّ أرْعَى لَتَحْقِيقِ المصالِحِ فِي هذهِ النوازل؛ فإنّ الاجْتِهادَ في هذا البابِ يَحْتاجُ إلَى كَثِيرٍ من العُلومِ والمعارِفِ والوقُوفِ علَى اخْتلافِ الأحوالِ وتبايُنِ المصالحِ وتَوافُقها؛ والتفطّنِ لخفايا المَكْرِ والكَيدِ؛ معَ مُراعاةِ الضروارتِ التِي يُوجِبُها ما صارَ إلَيهِ حالُ المسلمينَ.
ومِن كُلِّياتِ القواعِدِ المُقَرَّرَةِ قَولُهُم إذا ضاقَ الأمرُ اتّسعَ، وكَيفَ يُتَصَوَّرُ فِي شرِيعَةِ الإسلامِ الجامِعَةِ لمصالِحِ الدنيا والآخَرَةِ أن تُراعِيَ هَذهِ القاعِدَةَ فِي مَصالِحِ الآحادِ من الناسِ ثُمَّ لا تُراعِيَها فِي مصالِحِ أُمَّةٍ بِأسرِها؟.
ولا يَخْفَى أنّ أرضَ فلسطينَ المبارَكَةَ ومِنها أرضُ غَزَّةَ المسلِمَةُ هِي قطبُ الرحَى في المَعْرَكَةِ بَينَ الإسلامِ والكفْرِ اليومِ؛ فالتآمُرُ علَيها من هذا الوجْهِ أشدُّ وأعْظَمُ، والمسلِمُونَ فِيها وعلَى رأسِهِم (حماسٌ) نصرَها اللهُ أحوجُ إلَى مواطِن الرخَصِ فِي الشرْع من ثقات الفقهاءِ وكِبارِ العُلماءِ مِنهُم إلَى التشدِيداتِ التِي يُحْسِنُها كُلُّ أحَدٍ, بل والمُبْتَدِئُونَ مِن الطلابِ أقْدَرُ علَيها مِن المُتَقَدّمينَ منْهُم!!، ومُراعاةُ السلطانِ لحاجات الناسِ العامّةِ أولَى مِن مراعاةِ الضروراتِ الخاصَّةِ؛ أو تُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ هذه الثانِيَةِ علَى الأقلِّ، كما فِي القاعِدَةِ الفِقْهِيَّةِ: الحاجاتُ العامَّةُ تُنزَّلُ مَنزِلَةَ الضروراتِ الخاصَّةِ، فكَيفَ وحَقِيقَةُ الحالِ فِي غَزَّةَ عُمومُ الضرورات؟!؛ فما فِيه الناسُ هُناكَ مِن الحِصارِ والفقرِ والحرْبِ وعشراتُ الآلافِ من القتلَى والجَرْحَى