عَلى عَوامِلِ بِقائها، وأحدُ أركانِ العُولَمَةِ غَزْوُ الثقافَةِ (الأمريكِيَّةِ الغَرْبِيَّةِ) للمُجْتَمعاتِ الإسلامِيَّةِ، والجَرِيمَةُ وانْتِشارُها، بلِ الجَرِيمَةُ المُنَظّمَةُ! جُزْءٌ لا يَتَجَزَّأُ من الثقافَةِ الغَرْبِيَّةِ، ولا يَحْتاجُ مَن طالَعَ أحوالَ تِلكَ المُجْتَمعاتِ إلَى كَبيرِ عَناءٍ لِيَخْلُصَ إلَى هَذهِ النّتِيجَةِ، فَالغَزْوُ الثقافِي - الذي هُو أحَدُ أركانِ العَولَمَةِ - لا بُدَّ أنْ يَتْبِعَهُ إِذَنْ نَشرٌ لِثَقافَةِ الجَرِيمَةِ، ولَيْسَ الزَّحْفُ والغَزوُ الثقافِي هَذا مُقْتَصِرًا عَلى مَجْموعَةِ الفنادِقِ والمطاعِمِ الأمرِيكِيةِ والأورُوبِيَّةِ؛ وعَلى ملابِسِ (الجينزِ) ؛ وأغانِي (الروك) ؛ وشبكاتِ التَّلْفَزَةِ الغَرِبِيَّةِ.
وإلاَّ فَما لَنا ولأُمَّتِنا بالجَرائِمِ التِي لا حَصْرَ لَها؛ والتِي تَقَعُ فِي بِلادِ الغَرْبِ بَعِيدًا عَن أنظارِنا وبَعِيدًا عَن ثَقافَتِنا وبَعِيدًا عَن عاداتِنا وتَقالِيدِنا؛ وقَبْلَ ذلكَ كُلِّهِ عَن دِينِنا وتارِيخِنا؛ حَتَّى يَتَناقَلَها الناسُ وتُصْبِحَ حَدِيثَ المجالِسِ والمُنْتَدَياتِ؛ وجُزءًا مِن ثَقافَةِ الصغارِ والكِبارِ!.
بلْ إنَّ الشرْعَ شَدَّدَ فِي إثْباتِ مُوجِباتِ الحُدُودِ، كما اشتَرَطَ فِي ثُبُوتِ حَدِّ الزنا أرْبَعَةَ شُهُودٍ، وَشَدَّدَ فِي عُقُوبَة القَذْفِ وغَلَّظَ فِي حُرْمَتِهِ، وأمَرَ بأنْ تُدْرأَ الحُدُودُ بالشبُهاتِ، وقالَ عَلَيهِ الصلاةُ والسلامُ: اجْتَنِبُوا هَذِهِ القاذُورَاتِ التِي نَهَى اللهُ تَعالَى عَنْهَا؛ فَمَنْ أَلَمَّ بِشَيءٍ مِنْهَا فَليَسْتَتِرْ بِسِتْرِ اللهِ وَليَتُبْ إِلَى اللهِ، فَإنَّهُ مَنْ يُبْدِ لَنَا صَفْحَتَهُ نُقِمْ عَلَيْهِ كتابَ الله، فَهذا - ومِثْلُهُ كَثِيرُ - لِحِرْصِ الشرْعِ عَلَى السِّتْرِ؛ ورَغْبَةً مِنْهُ فِي سَدِّ كُلِّ ذريعَةٍ تُفْضِي إلَى شُيوعِ الفسادِ فِي البلادِ والعِبادِ، وفَرْقٌ ظاهِرٌ كَبيرٌ بَينَ شُهُودِ طائفَةٍ من المُؤمِنِينَ لإقامَةِ الحَدِّ؛ وبَينَ إشاعَةِ المُنْكَراتِ بإشاعَةِ أخبارِ الجَرائمِ عَلى الوَجْهِ المذكُورِ فِي السؤال.
وجُمْلَةُ القَولِ أنَّ إشاعَةَ أخْبارِ الجَرائمِ فِي المُنْتَدَياتِ والجرائدِ وغَيرِها عَلَى الوَجْهِ المذكُورِ فِي السؤالِ حَرامٌ لا يَجُوزُ، والقائمُ عَلَيهِ داخِلٌ فِي عُمومِ قَولِهِ تعالَى: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} ؛ وقدْ جُعِلَ الوعِيدُ عَلى المَحَبَّةِ لأّنَّ ذلكَ يَدُلُّ عَلى خُبْثِ النّيَّةِ نَحْوَ المُؤمِنينَ، وذكَرَ المُفَسرُونَ أنَّ مَعْنَى: {أَنْ تَشِيعَ الفَاحِشَةُ} أَنْ يَشِيعَ خَبَرُهَا؛ لأَنَّ الشُّيُوعَ مِنْ صِفَاتِ الأَخْبَارِ وَالأَحَادِيثِ؛ كَالْفُشُوِّ؛ وَهُوُ: اشْتِهَارُ التَّحَدُّثِ بِهَا، وَالفَاحِشَةُ هُنا بِمَعْنَى الأَمْرِ المُنْكَرِ؛ كما دَلَّ لَهُ قولُهُ تعالَى: {وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا} .
قالَ العَلامَةُ ابنُ عاشورٍ فِي التحرِيرِ والتّنْوِيرِ: وَلِشُيُوعِ أَخْبارِ الفَواحِشِ بَيْنَ المُؤْمِنينَ بِالصِّدْقِ أَوْ بِالكَذِبِ مَفْسَدَةٌ أَخْلاقِيَّةُ، فَإنَّ مِمَّا يَزَعُ الناسَ عَنِ المفَاسِدِ تَهَيُّبَهُمْ وُقُوعَهَا؛ وَتَجَهُّمَهُمْ وَكَراهَتَهُمْ سُوءَ سُمْعَتِهَا، وَذلكَ ممّا يَصْرِفُ تَفْكيرَهُمْ عنْ تَذَكُّرِهَا، بَلْهَ الإقْدِامِ عَليْهَا رُوَيْدًا رُوْيدًا؛ حَتَّى تُنْسَى وَتَنْمَحِيَ صُوَرُهَا مِنَ النُّفُوسِ، فَإذَا انْتَشَرَ بَيْنَ الأُمَّةِ الحدِيثُ بِوُقُوعِ شَيْءٍ مِنَ الفَواحِشِ؛ تَذَكَّرَتْهَا الخَواطِرُ وَخَفَّ وَقْعُ خَبَرِهَا عَلَى الأَسْمَاعِ؛ فَدَبَّ بِذَلكَ إِلَى النفوسِ التهاونُ بِوُقُوعِهَا وَخِفَّةُ وَقْعِهَا عَلَى الأَسْمَاعِ؛ فلاَ تَلْبثُ النفوسُ الخَبيثَةُ أَنْ تُقْدِمَ علَى اقْتِرافِهَا؛ وبِمِقْدَارِ تَكَرُّرِ وُقُوعِهَا وَتَكَرُّرِ الحَدِيثِ عَنْهَا تَصِيرُ مُتَدَاوَلَةً. انتهى.
والأدلَّةُ عَلى تَحْرِيمِ ذلكَ؛ وتحْرِيمِ التعاوُنِ عَلَيهِ كثِيرَةٌ، وفيما ذكَرْناهُ غُنْيَةٌ وكِفايَة؛ لِمَنْ أرادَ اللهُ تعالَى لَهُ السلامَةَ والهِدايَة، والحمدُ للهِ أولًا وآخِرًا؛ واللهُ أعلَمُ سُبحانَهُ، وصلى الله علَى محمدٍ وعَلى آلِهِ وسلم.
كانَ اللهُ له
أَبُو الوَليدِ الغزيُّ الأَنْصَارِيُّ