الصفحة 61 من 207

بِسْمِ اللهِ الرحْمَن الرحيم

حُكْمُ نَشْرِ أَخْبارِ الجَرائِم

رَقَمُ الفَتْوى: 100/ 9/ 6309

وسُئلَ عَمَّا اشْتَهَرَ فِي كَثِيرٍ مِنَ المُنْتَدَياتِ والمواقِعِ فِي الشبكَةِ العَنْكَبُوتِيَّةِ (الإنترْنت) مِن نَشْرٍ لأخْبارِ الجَرائمِ؛ بِحُجَّةِ التَحْذِيرِ مِنْها؛ والتخْوِيفِ من عَواقِبِها، هَلْ ذلكَ جائزٌ أم لا؟؛ وهل يصِحُّ الاسْتِدْلالُ لذلكَ بِنَحوِ قَولِهِ تعالَى: {وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ} ؟.

فَأجاب:

الحَمْدُ للهِ؛ والصلاةُ والسلامُ علَى نَبِيهِ الكريم؛ أما بعد:

فَهَذا الذِي وَرَدَ فِي السؤَالِ قَدْ كانَ يَقَعُ مِثْلُهُ قَدِيمًا فِي الصحُفِ والمَجلاتِ، إمّا فِي الصفَحاتِ الخاصَّةِ بالحَوادِثِ، أو رُبَّما وُجِدَ من المَجَلاَّتِ ما يَخْتَصُّ بِذلكَ أصلًا!، ثُمَّ ازْدادَ انْتِشارًا مَعَ التوسُّعِ فِي اسْتِخْدامِ الشبكَةِ العَنْكَبُوتِيَّةِ، وقَدْ طالَعْتُ جُمْلَةً مُستَكْثَرَةً مِن ذلكَ؛ ليَكُونَ الحُكْمُ عَلَيها مُستَنِدًا إلَى حَقِيقَةِ الواقِعِ ما أمْكَن.

أَمَّا الآيَةُ الكَرِيمَةُ التِي أُشيرَ إلَيها فِي السؤالِ فَمَعْناها أن تَحْضُر جماعَةٌ من المسلمينَ إقامَةَ حَدِّ الزنا خَشيَةَ التهاوُنِ فِيه؛ لأنَّ إخْفاءَهُ ذَرِيعَةٌ إلى ذلك، والمُرادُ من إشهارَهِ أنْ يَكُونَ فِي المُسْلِمينَ مَن يُبادِرُ إلَى إنكارِ تَأخِيرِهِ إذا أُخِّرَ حَذرًا مِن أنْ يُفْضِيَ إهْمالُهُ إلَى تَعْطِيلِهِ، مَعَ ما فِي ذلكَ مِن زَجْرٍ للحاضِرِينَ واتِّعاظٍ للمُؤْمِنينَ.

فَما دَلَّتْ عَلَيهِ الآيَةُ هُو إشاعَةُ العُقُوبَةِ التِي أمَرَ بِها الشرْعُ، وهذا هُو المَقْصُودُ أصْلا، وما يَقَعُ مَعَها مِنْ ذكْرِ الذنْبِ الذِي استَوجَبَ بِهِ صاحِبُهُ العُقُوبَةَ فَذلكَ إنما يَقَعُ تَبَعًا لا اسْتِقْلالًا، ولِذا يُكْتَفَى فِيهِ بِذِكْرِ مُوجِبِ الحَدِّ جُمْلَةً دُونَ تَفْصِيلٍ، وإِنَّما يَقَعُ الاسْتِفْصالُ فِي مَجْلِسِ القَضاءِ فَحَسْبُ، فإذا ثَبَتَ مُوجِبُ الحَدِّ لَمْ يُحْتَجْ إلَى بَيانِ تَفَاصِيلِ وُقُوعِ ذلكَ عِندَ إقامَتِهِ.

وهَذا شَيءٌ؛ وما يُكْتَبُ عن الجَرائِمِ فِي الصحُفِ والمُنْتَدَياتِ المَذكُورَةِ شَيءٌ آخَرُ، بَلْ منَ الفِرْيَةِ عَلى الدِينِ والشرْعِ أنْ يُسْتَشْهَدَ بالآيَةِ الكرِيمَةِ لِمِثْلِ هَذا، لأنَّ الذِي رَأيْناهُ فِي هَذهِ المَواطِنِ هُو الاسْتِطْرادُ فِي بَيانِ تَفاصِيلِ الجَرائمِ والحَوادِثِ عَلى وَجْهٍ يُغْرِي أراذِلَ الناسِ وسَفَلَةَ الخَلْقِ وضِعافَ النُّفُوسِ بِمُحاكاتِها، ولِذا لا تَزالُ تَسْمَعُ بَينَ حِينٍ وآخَرَ عَن جَرائمَ تَقَعُ فِي بِلادِ الغَرْبِ مَثَلًا؛ ثُمَّ لا يَلْبَثُ أوباشُ الناسِ أنْ يَرتَكِبُوا مِثْلَها فِي بِلادِ المُسلمين!.

ثُمَّ هَذهِ الجرائمُ إنّما تُحْكَى دُونَ ذِكْرِ شَيءٍ من العُقوباتِ التِي تَجِبُ شَرْعًا عَلى مُرْتَكِبِيها، فَأينَ هَذا من الآيةِ التِي سِيقَتْ أصلًا لِبيانِ حَدٍّ من حُدودِ اللهِ تعالَى!؛ وما يَجِبُ مِن إقامَتِهِ عَلى مُرْتَكِبِهِ؛ وتَحْرِيمِ التهاوُنِ فِيهِ؛ كما دلَّ عَلَيهِ قَولُهُ تعالَى: {وَلاَ تَاخُذْكُمْ بِهِمَا رَافَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ} .

وأيْضًا فإنَّ شَانَ الإسْلامِ مَحَبَّةُ الستْرِ؛ وتَحْرِيمُ إشاعَةِ الفاحِشَةِ وإشاعَةِ أسْبابِها بَينَ المُؤمنين؛ وتَحْرِيمُ السَّعْي بالفسادِ في الأرْضِ، وفِي المَسؤولِ عَنْهُ مُخالَفَةٌ لكُلِّ ذلكَ!، فَفِيها إفْشاءٌ لِما يَجِبُ سَتْرُهُ، وفِيها دَعْوةٌ إلى الرذيلةِ، فإنَّ الناسَ إِذا اعْتادَتْ سَماعَ مِثْلِ ذلكَ وتَكَرَّرَتْ مَشاهِدُهُ فِي أَذهانِهمْ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ؛ لَمْ يَلْبَثُوا أنْ يَعْتادُوهُ ويالَفُوهُ، وما يألَفُهُ السمْعُ وسيلَةٌ إلَى أنْ يَالَفَهُ البَصَرُ أيضًا!، فَإذا وَقَعَ فِي المُجْتَمَعِ بَعْدَ ذلكَ لَمْ تَكَدْ تَجِدُ مَن يُنْكِرُهُ؛ خاصَّةً مَعَ انْتِشارِ تَعطيلِ أحْكامِ الشَّرْعِ المُطَهَّرِ؛ وانْتِشارِ أسبابِ الفَسادِ وتَيسيرِ الطّريقِ إلَيهِ!، والحَقُّ أنَّ تَعْويدَ الناسِ عَلى ذلكَ مِن المَقاصِدِ الخَفِيَّةِ الكامِنَةِ وراءَ تَرْوِيجِ مِثْلِ هَذا، وَهُو خِدْمَةٌ لِمُؤامَرَةِ (العَولَمَةِ) التِي يُرادُ بِها مَحْوُ الصِّبْغَةِ الحَضارِيَّةِ للأُمَّةِ المُسْلِمَة؛ والقَضاءُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت