قالَ ابنُ القَيِّمِ فِي المنارِ المُنِيفِ: وِمِنْ ذَلكَ الحَدِيثُ الذِي يُرْوَى فِي الصَّخْرَةِ أَنَّهَا عَرْشُ اللهِ الأَدْنَى، تَعَالَى اللهُ عَنْ كَذِبِ المُفْتَرِينَ، وَلَمَّا سَمِعَ عروةُ بنُ الزبَيْرِ هذا قالَ: سُبْحانَ اللهِ!؛ يقولُ اللهُ تعالَى: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ} ؛ وَتَكُونُ الصَّخْرَةُ عَرْشَهُ الأَدْنَى؟!.
ثمَّ قالَ رَحِمَهُ الله - ونَحْوهُ لابْنِ تَيْمِيةَ فِي اقْتِضاءِ الصراطِ المُسْتَقِيم: وَكُلُّ حَدِيثٍ فِي الصَّخْرَةِ فَهُوَ كَذِبٌ مُفْتَرَىً؛ وَالقَدَمُ الذِي فِيهَا كَذِبٌ مَوْضُوعٌ مِمَّا عَمِلَتْهُ أَيْدِي الْمُزَوِّرِينَ الذِينَ يُرَوِّجُونَ لَهَا لِيَكْثُرَ سَوَادُ الزائِرِينَ!.
قالَ: وَأَرْفَعُ شَيءٍ فِي الصخْرةِ أَنّها كانَتْ قِبْلَةَ اليَهُودِ، وَهِي فِي المكَانِ كَيَوْمِ السَّبْتِ فِي الزَّمَانِ؛ أَبْدَلَ اللهُ بِها هَذِهِ الأُمَّةَ الْمُحَمَّدِيَّةَ الكَعْبَةَ البيتَ الحرامَ، وَلَمَّا أَرَادَ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنْ يَبْنِيَ المسْجِدَ الأَقْصَى اسْتَشَارَ الناسَ، هلْ يَجْعَلُهُ أمامَ الصخْرَةِ أوْ خَلْفَهَا؟، فَقَالَ لَهُ كَعْبٌ: يا أَمِيرَ المؤْمِنينَ؛ ابْنِهِ خَلْفَ الصَّخْرَةِ، فَقالَ: يَا ابنَ اليهودِيَّةِ خالَطَتْكَ اليَهُودِيَّةُ!؛ بَلْ أَبْنِيهِ أمامَ الصخْرَةِ حتّى لا يستقبِلَهَا المصلُّونَ، فَبَنَاهُ حَيْثُ هُوَ اليومَ.
قال: وقدْ أكثَرَ الكذَّابوُنَ منَ الوَضْعِ فِي فَضائِلِهَا؛ وَفَضَائِلِ بَيْتِ المَقْدِس. انتهى.
وما يُقالُ من كَراهَةِ الصلاةِ تَنْزِيهًا فِي ثَمانِيَةَ مواضعَ أو فِي سَبْعَةٍ، مِنْها ظهْرُ الكَعْبَةِ وعَلى الصخْرَةِ؛ فَغَيرُ صَحِيحٍ كذلكَ، ولا تَثْبُتُ الكَراهَةُ إلا بِدَلِيلٍ من الشرع، والصوابُ صِحَّةُ الصلاةِ عَلى ظَهْرِ الكَعْبَةِ من غَيرِ كَراهَةٍ؛ فَإنَّهُ فِي حُكْمِ الصلاةِ فِي جَوفِها، وأمّا الصخْرَةُ فَهِيَ كَغَيرِها من الأماكِنِ التِي الأصْلُ فِي الصلاةِ فِيها الإباحَةُ؛ لَولا ما أحْدَثَهُ الناسُ فِي أمْرِ الصخْرَةِ من البِدَعِ، فَتُكْرَهُ الصلاَةُ عَلَيْها حذرًا من مُجاراتِهِمْ فِي ذلكَ؛ لا لِما ذَكَر، وتَعْلِيلُهُم النَّهْيَ بالبُعْدِ عن الأدَبِ تَعْلِيلٌ عَلِيلٌ كما لا يَخْفَى، والله أعلم.
وما فِي (إتحافِ الأخِصّا بِفضائلِ المسجدِ الأقْصا) منْ أنَّها كانَتْ قِبْلَةَ المُسْلِمينَ الأولَى؛ فَلَيْسَ صَحِيحًا، بلْ القِبْلَةُ كانَتْ بَيتَ المَقْدِس؛ لا الصخْرَةَ بِخُصُوصِها، ولَو كانَتْ كذلكَ لَمْ يَجُزْ لأجْلِهِ إحْداثُ مالَمْ ياذنِ بِهِ الشرْعُ فِي شأنْها.
وفِي الكِتابِ المَذكُورِ أيضًا أنَّ أنْبِياءَ بَنِي إسرائِيلَ كانُوا يُصَلُّونَ إلَيْها؛ وَلََوْ صَحَّ ذلكَ لَمْ تَكُنْ فِيهِ فَضِيلَةٌ زائدَةٌ يُشْرَعُ مَعَها التَّبَرُّكَ بِها والتَّعَبُّدُ عِنْدَها، وكما أنَّ فَضائلَ الأمْكِنَةِ والأَزْمِنَةِ لا تَثْبُتُ إلاَّ بالشَّرْعِ، فَكذلكَ لا يَجُوزُ إحْداثُ شَيءٍ من الطاعاتِ والقُرُباتِ المُتَعَلِّقَةِ بِهِما إلا بالشرْعِ.
هَذا ما يَسَّرَهُ سُبْحانَهُ فِي هَذهِ العُجالَةِ، ولعَلَّ اللهَ تعالَى أنْ يُيَسِّرَ تَتَبعَ ما وردَ فِي البابِ فِي موطنٍ آخَرَ وباللهِ تعالَى التوفِيقُ.
وصلى اللهُ علَى محمد وعلى آلهِ وصحبهِ وسلم.
كان الله له
أبو الوليد الغزيُّ الأنصاريُّ