بِسمِ اللهِ الرحمنِ الرحِيم
سؤالٌ عن صَخْرَةِ بَيْتِ المَقْدِس.
رقمُ الفَتْوى: 100/ 7/ 5296
وسُئلَ عَما يُشِيعُهُ العامَّةُ من أنَّ صَخْرَةَ بِيتِ المَقْدِسِ مُعَلَّقَةٌ فِي الفَضاءِ بَينَ السماءِ والأرْضِ، هَلْ يَصِحُّ هَذا؟.
فَأجابَ:
الحَمْدُ للهِ؛ وبَعْد:
فَهَذا الذِي يُقالُ غَيْرُ صَحِيحٍ مِن جِهَةِ الواقِعِ والثبُوتِ، ولو شاءًَ اللهُ تعالَى أنْ يُمسكَها بِقُدْرَتِهِ عزَّ وجَلَّ بَينَ السماءِ والأرْضِ لأمْسَكها سُبْحانَهُ؛ كما يُمْسِكُ السماءَ أنْ تَقَعَ عَلى الأرْضِ إلاَّ بإذْنِهِ، واللهُ علَى كلِّ شيءٍ قَدِير، ولَيسَ الكلامُ عن القُدْرَةِ؛ بلْ عن دَعْوى أنَها مُعَلَّقَةٌ فِي الهَواءِ بَينَ السماءِ والأرْضِ، فَتِلكَ التِي لا حَقِيقَةَ لَها، بل هيَ كَغَيرِها من الصخورِ مُتَّصِلَةٌ بالأرْضِ قائِمَةٌ بالأسبابِ العادِيَّةِ التِي خَلَقَها الله تعالى.
ولَو صَحَّ ذلكَ - وهُو غَيرُ صَحِيحٍ قَطْعًا - لَمْ تَثْبُتْ لَها بِذلكَ فَضِيلَةٌ زائدَةٌ، فَيْحْرُمُ التَّبَرُّكُ بِها، ولا يَجُوزُ قَصْدُها بالصلاةِ عِنْدَها؛ ولا إلَيْها؛ ولا عَلَيها، ولا قَصْدُها بِغَيرِ ذلكَ من أنواعِ الطاعاتِ والقُرُبات؛ كالتقْبِيلِ ونَحوه.
وفِي تَبْيِينِ الحَقائِقِ عن ابنِ المُلَقِّنِ قال: فَأَمَّا تَقْبِيلُ الأََحْجَارِ وَالْقُبُورِ وَالْجُدَرَانِ وَالسُّتُورِ وَأَيْدِي الظَّلَمَةِ وَالْفَسَقَةِ وَاسْتِلاَمُ ذَلِكَ جَمِيعِهِ فَلاَ يَجُوزُ، وَلَوْ كَانَتْ أَحْجَارَ الْكَعْبَةِ أَوْ الْقَبْرَ الْمُشَرَّفَ أَوْ جِدَارَ حُجْرَتِهِ أَوْ سُتُورَهُمَا أَوْ صَخْرَةَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ؛ فَإِنَّ التَّقْبِيلَ وَالاسْتِلاَمَ وَنَحْوَهَمَا تَعْظِيمٌ؛ وَالتَّعْظِيمُ خَاصٌّ بِاَللَّهِ؛ فَلاَ يَجُوزُ إلاَّ فِيمَا أَذِنَ فِيهِ. انتهى.
وفِي شَرْحِ مُنْتَهَى الإراداتِ وغَيْرِهِ من كُتُبِ الحَنابِلَةِ كَكَشافِ القِناعِ؛ ومطالِبِ أولِي النُّهَى، واللفظُ هُنا للأَوَّلِ: وَلاَ يُشْرَعُ تَقْبِيلُهُ وَلاَ مَسْحُهُ؛ (يَعْنِي مَقامَ إبراهِيمَ علَيهِ السلامُ) ؛ فَسَائِرُ الْمَقَامَاتِ أَوْلَى؛ وَكَذَا صَخْرَةُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ. انتهى.
وقِياسُ ذلكَ عَلى الحَجَرِ الأسْودِ قِياسٌ باطِلٌّ لا يَصِحُّ، والحَجَرُ الأسودُ لا يُشْرَعُ فِيهِ إلاَّ ما أَذِنَ فِيهِ الشرْعِ، فَكَيفَ بِغَيرِهِ من الصخُورِ والحِجارَةِ التِي لَمْ يَرِدْ فِيها شَيءٌ أصْلا، بلْ قَصْدُها وتَعْظِيمُها من التَّشَبُّهِ بِعَبَدَةِ الأوثانِ والأصْنامِ!، ولذا رُبُّما جَرَّ التهاوُنُ فِي ذلكَ إلَى الوُقُوعِ فِي المُكَفِّراتِ، نَسألُ اللهَ تعالَى السلامَةَ والعافِية.
وكُلُّ ما رُوِيَ فِي هَذا البابِ مِن فَضائلِها! فَباطِلٌ مَوضَوعٌ، كالذِي يُرْوى عن عُبادَةَ بنِ الصامِتِ فِيما أخْرَجَهُ الطبَرانِيُّ: الصَّخْرَةُ صَخْرَةَ بيتِ المقَدِسِ عَلى نَخْلَةِ، وَالنَّخْلَةُ عَلَى نَهْرٍ مِنْ أَنْهَارِ الجَّنَّةِ، وَتَحْتَ النَّخْلَةِ آَسِيةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ، وَمَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ يَنْظِمَانَ سُمُوطَ أَهْلِ الجَنَّةِ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ!.
وهكذا ما يُروى عن أبِي هُرَيرَةِ وعَن أبِي سعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهما مَرفوعًا، وما يُرْوى كذلكَ موقُوفًا عن ابنِ عباسٍ؛ وكعِبٍ؛ وأنسِ بن مالك؛ ونوفِ البَكالِي؛ وأبِي إدْرِيسَ الخَولانِيِّ؛ وعَبدِ اللهِ بن سلامٍ، فَكُلُّهُ لا يَصِحُّ منْهُ شَيءٍ، ومن ذلكَ: الصخْرَةُ من الجَنَّةِ، وقالَ الألْبانِي فِي السلسلَةِ الضعِيفَةِ (1252) : وأما حَدِيثُ: العَجْوةُ والصخْرَةُ من الجَنَّةِ، فَهُو ضعِيفٌ لاضْطِرابِهِ كما بَينْتُهُ فِي إرواءِ الغَلِيل.
وكذلكَ ما يُقالُ مِن أنَّ كلَّ ماءٍ مِنَ السمَاءِ يَنْزِلُ إِلَى صَخْرَةِ بَيْتِ المَقْدِسِ؛ ثُمَّ يَقْسِمُهُ اللهُ تَعَالَى، كما فِي حاشِيَةِ الطحْطاوِي عَلى مراقِي الفَلاحِ، وما يُرْوى من أنَّ إسرَافِيلَ حِينَ النَّفْخِ يَكُونُ وَاقِفًا عَلَى صَخْرَةِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وما يُرْوى عنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنه: وعن علي رضي الله عنه: سَيِّدُ البِقَاعِ بَيْتُ المَقْدِسِ؛ وَسَيِّدَةُ الصُّخُورِ صَخْرَةُ بَيْتِ المَقْدِسِ كلُّهُ لا يَصِحُّ.