الصفحة 57 من 207

العِلمِ وأصلُ الفِقْهِ فِي الدينِ، بل أعرفُ من يُصنّفُ ويكتُبُ ويتلقَّفونَ كُتُبَهُ علَى أنهُ من المُحقّقِينَ! وهُو لا يعرِفُ الفَرْقَ بَينَ اسمِ كانَ وخَبَرِها!؛ وأقطعُ بأنهُ لَم يَقْرأ فِي الفِقْهِ ولا فِي أصولِ الفِقْهِ مَتْنا ولا كِتابًا!، بل يُلَقبونَ بذلكَ من يَتعَينُ علَيهِ الرجوعُ إلى البداياتِ فِي الطلَبِ لأنّهُ يُقَرِّرُ ما يَعْتَقِدُونَهُ دِينًا لا يجوزُ العُدولُ عَنهُ!، فهذا الخَلَلُ فَرْعٌ عن ذلكَ الأولِ، وكُلُّ ما بُنِيَ علَى أصلٍ فاسدٍ فُهُوَ فاسدٌ أيضًا.

ولا يُقالُ فِي المُقابلِ فَفِي الحَنَفِيّةِ وغَيرِها مِن المذاهِبِ مِن التعصبِ المذْهَبِي ما هُو عَينُ العُدوانِ علَى الشرْعِ، فَيقالُ لمن قالَ ذلكَ: لا تَتَعَوَّدْ رَدَّ الخَطأِ بِخَطأٍ يُقابِلُهُ، فإنّ ذلكَ عِلّةٌ لِكُلِّ ما يَقعُ بَينَ الناسِ مِن التنازُعِ والخِلافِ، ولو أنّ قائلَ ذلكَ تأملَ فِيما قالَ لم يَفُهْ بِهِ، ولَعِلَمَ أن الحَقَّ واسطِةٌ بَينَ القوْلَينِ، وذمُّ التعصبِ المذْهَبِيِّ لا يَلْزَمُ مِنْهُ رَدُّ ما فِي المدْرَسَةِ الحَنَفِيةِ - التِي هِي مذهَبُ الشعْبِ الأفغانِي - من حِفْظِ هَيْبَةِ العِلْمِ ومَراتِبِ أهْلِهِ، ومُراعاةِ الأدَبِ فِي ذلكَ بَينَ العالِم والمتعَلِّمِ، حَتّى إنّنِي لَم أرَ بَينَهُم علَى طولِ مخالطَتِي لَهُم طالِبًا يَعْتَرِضُ عَلى قَولِ عالِمٍ إلا علَى سبيلِ سؤالِ المُتَعلّمِ، وهذا لهُ أعظَمُ الأثرِ فِي سَدِّ أبوابِ التعالُمِ والجُرأةِ المُتهالِكَةِ علَى الفَتْوى؛ بل وفِي التماسكِ والتلاحُمِ بَينَ الأمّةِ وعُلَمائها وقادتِها؛ ولا يَخْفاكَ أنّ كَثْرَةَ الخِلافِ عَلى الأكابِرِ مُفْسِدَةٌ للرايِ مُضَيّعَةٌ للتَدْبِيرِ، كما قالَ علَي بنُ أبي طالِبٍ رضِيَ اللهُ عَنه لِبَعْضِ أصحابِهِ: ... وأفْسَدْتُم علَيّ رَأيِي بالعِصيانِ؛ حَتى قالَتْ قُرَيشٌ: ابنُ أبِي طالِبٍ رَجُلٌ شجاعٌ؛ ولكنْ لا عِلْمَ لَهُ بالحَرْبِ.

حَتّى المَدْرَسَةُ السلَفِيةُ فِي بِلادِ الهِنْدِ والأفغانِ مُتَأثّرَةُ بِهَذِهِ المَنقَبَةِ إلَى حَدٍّ بِعِيدٍ، وإنما بَدأ يَتَسَرَّبُ إلَيها الخَلَلُ المذكُورُ فِي السنواتِ الأخِيرَةِ هذهِ لأسبابٍ يطولُ شَرحُها، وأولُ مَن سِمعْتُ مِنهُ إنكارَ ما تطرّق إليها من ذلكَ هُو شَيخُنا أبو المعالِي نقيبُ أحمدُ الديرِيُّ الرباطِيُّ السلفِيُّ رَحِمُهُ اللهُ فِي سَنَةِ (1413) ، وكانَ يَسمِيهُمْ (صِبْيانَ العِلمِ) .

وعلَى كُلِّ حالٍ فالحَدِيثُ يذكّرُ بعضهُ بِبَعْضِ، وهو ذو شجونٍ وفُنونٍ، وأسأل الله تعالى أن يُيسّرَ التفصيلَ فِي ذلكَ فِي موضعٍ آخَر.

والحمدُ للهِ أولا وآخرًا، وصلى الله على محمدٍ وعلَى آلِهِ وصحْبهِ وسلم.

كانَ الله له

خادمُ العلم وأهله

أبو الوليد الغزي الأنصاري

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت