خَرَجُوا، فَهُمْ مِرْآتُهَا أَوَّلًا وآخِرًا، شَرِيطَةَ أن يَسْلَمَ الناظِرُ إلَيها مِن شَوبِ العَصَبِيّةِ والهَوَى، وأن يَنْظُرَ إليها بعينِ العدلِ والنّصَفَةِ، لا أنْ يَكِيلَ لَهُم بِمِكْيالَيْنِ؛ فَيَجْعَلَ مِنْهُمْ مُجاهِدِينَ أحْيَوْا سِيَرَ الأوائلِ في قِتالِ الشيوعِيّينَ الرُّوسِ فِي أفْغانِسْتانَ!، وخَوارِجَ مارِقِينَ فِي قِتالِ الصلِيبِيينَ فِي العِراقِ وبلادِ الأفغانِ!!، فَهذا مِن الظلْمِ الذي حَرّمَهُ اللهُ تعالَى، وهُو خارِجٌ عَن مَوازِينِ القسْطِ والشرعِ ساقِظٌ فِي دَرَكاتِ الأغراضِ والأهْواءِ، فَحالُ هذا كحالِ دَمِيمِ المَنْظَرِ لَنْ يَرَ فِي المِرْآةِ إلا ما انطَوتْ علَيهِ دخِيلَةُ نَفْسِهِ، وإنّما نُرِيدُ مَن جَلَّ العِلْمُ عِنْدَهُ وتَرَفّعَ بِهِ عن هذا القَدْرِ إلَى رُتْبَةِ وِراثَةِ عِلمِ النبُوّةِ؛ ومِن عِلْمها قولُهُ علَيهِ الصلاةُ والسلام: إنما أنا لكم بَمَنزِلَةِ الوالِدِ أعلّمُكُمْ، فَمَن وَرِثَ العِلمَ بِحَقَّهِ ورِثَ هَذهِ المَنْزِلَةَ أيضًا، فَهَؤلاءِ هُم الذِينَ يُثْمِرُ نَقْدُهُمْ؛ ويَقُومُ نُصْحُهُم مَقامَ الأعلامِ والمَناراتِ للسالكِينَ، وهُم الذينَ لا غِنىً بالمجاهِدِينَ عَنهم، ولا غِنَىً بِهَمْ عن المجاهِدِينَ، والأمةُ مِن ثَمَّةَ لا غِنَىً بِها عن هَؤلاءِ جَميعًا.
ولا بُدَّ هُنا من التّنْبِيهِ علَى أمرٍ يَسْتَحِقُّ الوقوفَ والنظَرَ، ويَفْتَحُ للناصِحِينَ أبوابًا وأبوابًا، ذلكَ أنّ أكثرَ الجماعاتِ التِي حملتْ رايَةَ الجهادِ فِي زِمانِنا؛ ووقَعَ منها ما وقعَ من الانحرافاتِ تَرْجِعُ أصولُها إلَى المَدْرسَةِ السلَفِيَّةِ فِي الجُمْلَةِ، ولم نَرَ مِثلَ هذه الانحرافاتِ ولا بَعْضَها فِي الجِهادِ الذِي قامَتْ بِهِ المدْرَسَةُ الحَنَفِيَّةُ فِي أفْغانِسْتانَ معَ طُولِ عَهْدِهِ؛ وتقَلُّبِ الأحوالِ فِيهِ!!، فقَدْ كانَتْ بِداياتُهُ فِي عامِ (1978) أو قبلَ هذا بقليلٍ أو بعدَهُ بقلِيلٍٍ ولم يَزلْ إلَى يومِنا هذا!، فبَدأ بجِهادِ النظامِ الملَكِي الحاكمِ فِي كابُلَ أولًا لمُوالاتِهِ للاتحادِ السيوفيتِيِّ آنذاك، ثُمَّ انتقلَ إلى مرحلَةِ الجهادِ ضدَّ القواتِ الروسِيّةِ الغازِيةِ والموالِينَ لها؛ ثُمَّ إلى مُجاهِدَةِ حكومَةِ كابُلَ التِي كانت على غرارِ جميع الحكومات العلمانية في العالم الإسلامِي اليوم؛ وذلكَ بَعْدَ انسحابِ القواتِ الروسِيّةِ من أفغانستان، واستمرّ ذلكَ سنواتٍ عِدَّةٍ؛ إلى سُقوطِ حكومَةِ نجِيبٍ؛ ثُمَّ إلَى مَرحلَةِ الأحزابِ؛ إلى مجِيئِ (طالبانَ) والجهادِ ضِدَّ القواتِ الصلِيبيةِ الغازِيَةِ؛ وإلى يومِنا هذا.
وعنْدِي أنّ لذلكَ أسْبابًا عِدَّةً مِنْها ما هُو راجِعٌ إلَى هذهِ المَدارِسِ نَفْسِها؛ ومِنها ما هُو خارِجٌ عَنها؛ والتفصيلُ فِي بيانِ ذلكَ لَيسَ هذا موضِعَهُ، وإنّما يَهُمُّنِي هُنا أن أَذكُرَ أن أهَمَّ أسبابِهِ راجِعٌ إلَى خلَلٍ فِي المنهَجِ الترْبَوِيِّ عِنْدَ كَثِيرٍ من المنْتَسِبينَ إلى المَدْرَسَةِ السلفِيّةِ (المُعاصِرَةِ) يَتَعَيّنُ عَلَينا استِدْراكُهُ وإصلاحُهُ، رُجُوعًا بالمُعالَجَةِ إلَى أصلِ الداءِ، وإنّما قَيّدْتُ ذلكَ بالمُعاصِرَةِ تنْبِيها علَى أن الخلَلَ فِي مَفاهِيمِ ومناهِجِ كَثيرِينَ من المُنتسبِينَ إلَيها؛ لا فِي المدْرَسَةِ باعْتِبارِ أصلِها، فافْهَمْ.
لا يُقالُ ما عِلاقَةُ هذا بِذاكَ، لأنّ العَملِيّةَ الترْبَوِيّةَ بِناءٌ مُتكامِلٌ، فإن شئتَ الحُكْمَ علَيهِ بِقُوّةٍ أو ضَعْفٍ فانْظُرْ إلَى أساسَهِ وأصولِهِ أولًا، وتَرْبِيَةُ الناشِئَةِ علَى التطاوُلِ والجُرْأةِ علَى الأئمّةِ وأهْلِ العِلمِ تَحْتَ ذرِيعَةِ نَبْذِ التقْلِيدِ، يَنْقِلِبُ فِي المُحَصلَةِ جُرْأةً وتَطاوُلًا علَى أحكامِ الشرِيعَةِ كُلِّها!، وما الفَرْقُ عَنِدَ الناشئِ المُبْتَدِئِ بَينَ تَخْطِئَةِ الشافِعِيّ الإمامِ رحمهُ اللهُ فِي العَملِ بحَدِيثِ القلتَينِ لأنّ الناشئَ يَعْمَلُ بالدلِيلِ بِزَعْمِهِ، وبَينَ استِباحَةِ دِماءِ المعصومِينَ بالدلِيلِ على حدِّ زعمهِ أيضا؟!، فهُو فِي الحالَتَينِ مُتمسكٌ بالدلِيلِ عامِلٌ بِهِ!، وفاتَهُ أن مَثَلَهُ كَمثَلِ العُميانِ الستّةِ فِي المثلِ الهِنْدِي، الذِينَ وقعَتْ يَدُ كُلٍّ مِنهم علَى عُضْوٍ أو بَعْضِ عُضْوٍ مِنَ الفِيلِ فَحَسِبَهُ الفِيلَ بِتَمامِهِ!، فهذا الناشئُ يَسْمَعُ مِن اليومِ الأولِ تَخْطِئَةَ الشافِعِي؛ وتَنْقِيصَ أبِي حَنِيفَةِ؛ وتضعِيفَ قَولِ أحمدَ؛ وبُطْلانَ قَولِ مالكٍ، وغلُوّ ابنِ حَزْمٍ، وشُذُوذَ داودِ بنِ علَي، ثُمَّ إنه يَمْلِكُ (تَقْرِيبَ التهْذِيبِ) مِبْضَعَ الجَرْحِ والتعْدِيلِ!، فإذا سقطَتْ أقوالُ هؤلاءِ الأئمةِ عِنْدَهُ عن رُتْبَةِ الاعْتِبارِ؛ فسقوطُ مَن هُم دُونَهُمْ - ولو كانُوا من فحولِ العِلم وأساطين الفَهمِ فِي زمانِنا - من بابِ أولَى!، ولم الرجوعُ إلَى أهلِ العِلمِ بَعْدَ ذلكَ والرجُلُ قدْ ولجَ إلَى الطلَبِ مِن رُتْبَةِ الاجْتِهادِ؟!، وهذا النهجُ الردِيُّ أنتجَ اخْتِلالَ المِيزانِ عندَ هَؤلاءِ، فالمعَظّمُ عِنْدَهُمْ مَن وافَقَهُم فِيما هُم عَلَيهِ، ولِذا صارُوا يَلَقّبُونَ بالشيخِ والعَلامَةِ والإمامِ! مَن لا عِلْمَ لَهُ بِشَيءٍ من عُلُومِ الآلَةِ التِي هِيَ أساسُ