وأما ما ذكُرَ فِي (الشهادَةِ) المُشارِ إلَيها فإنّهُ ساءنِي أولًا أنّنِي لَم أعْرِفْ بِذلكَ إلا بَعْدَ نَشْرِهِ بأعْوامٍ عِدَّةٍ؛ وذلكَ للأحْوالِ التِي ذكَرْتُ لَكُم، والكاتِبُ عافاهُ اللهُ مِمّا هُو فِيهِ؛ ورفعَ عنهُ ما ابْتَلاهُ بهِ قَدْ وَضَعِنِي بِذلكَ مَعَهُ مَوضِعَ الصحابِيِّ الذي قالَ للنّبِيِّ صَلَّى اللهُ علَيهِ وسلّمَ فِي الرجُلِ يَرَى فِي أهْلِهِ سوءًا: يا رَسولَ الله!؛ أحدنا يَرَى فِي أهلِهِ ما يسوءُهُ؛ فإن سَكَتَ سكَتَ علَى ضَيمٍ!؛ وإن تكَلَّمَ جَلَدْتُموهُ؟!، وهكذا حالِي هُنا: إن سَكَتُّ الآنَ عَمّا كُتِبَ سَكَتُّ علَى ضَيْمٍ، وإن تَكَلّمْتُ تَكَلّمْتُ فِي غَيرِ موضِعِ الكلامِ، فإنّنا الآنَ والكاتِبَ فِي شُغُلٍ عن هذا كُلِّهِ، ومن الديانَةِ الانْشغالُ بمصالِحِ المُسلِمينَ فِي هذهِ الأحوالِ عن مِثلِ هذا، ولَيسَ بَيانُ الحَقِّ موقوفًا علَى تَفْنِيدِ ما نَسَبَهُ إلَيَّ؛ أو ذكَرَهُ علَى غَيرِ وجْهِهِ، ولَسْنا نُشَمِّتُ بِنا وبِهِ عَدُوَّ الدينِ في وَقْتٍ نَحنُ أحوجُ ما نكُونُ فِيهِ إلى تماسُكِ الصفِّ واجتِماعِ الكلِمَةِ، فإنْ فَسحً اللهُ تعالَى فِي الأجَلِ وشفَى اللهُ صدُورَ المؤمِنينَ بِخُروجِ عَبَدَةِ الصلْبانِ من بِلادِ الإسلامِ مذْؤُومِينَ مدْحورِينَ - وذلكَ كائنٌ قِريبًا إن شاء اللهُ تحْقِيقًا لا تعلِيقًا- بَيّنْتُ ذلكَ فِي حِينِهِ بِما يَقْتَضِيهِ مَقامُ الأمانِةِ وبِحَسْبِ الحاجَةِ إلَيهِ إن شاء اللهُ تعالَى، فاللهُمّ إنّي أخْتارُ السكوتَ علَى الضّيْمِ حذَرَ مَنْفَذٍ يُضامُ بِهِ الإسلامُ وأهْلُهُ، وأسألُكَ أنْ تَفَرّجَ عَنهُ وعن جَميعِ أسرَى المُسلمينَ؛ وأن تَجْعَلَ لِي مخْرَجًا كما جعلْتَ لذلكَ الصحابِيِّ مَخْرجًا، إنّي تُبْتُ إلَيكَ وإنِي من المسلمِينَ؛ وحسبِيَ اللهُ ونِعْمَ الوكيل.
وأما سُؤالكُمْ عَما أفَدْناهُ مِن تِلْكَ التجْرِبَةِ؛ فإنّهُ بِحَمْدِ اللهِ كَثِيرٌ، حَتّى إنّنِي لأقولُ تَحَدُّثًا بِنِعْمَةِ اللهِ تعالَى: إنّنِي واللهِ ما أحِبُّ أنهُ فاتَنِي ذلكَ - علَى ما جَرَّهُ علَيَّ من المَتاعِبِ - وأنَّ لِي الدنْيا وما فِيها، وذكْرُ ذلكَ والوقوفُ علَيهِ فِي هذهِ العجالَةِ مَتَعذِّرٌ لا يُمْكِنُ، بلْ أرَى الاخْتِصارَ في هذا الموضِعِ جِنايَةً علَى الفائدَةِ الحاصلَةِ من ذلكَ، علَى أنكمْ تَقِفُونَ إن شاءَ اللهُ علَى كَثِيرٍ من ذلكَ فِي ثَنايا وتضاعِيفِ ما كَتَبْتُهُ فِي سَنَةِ (1426) وما بَعدَها، وهو المَوجُودُ فِي الموقِعِ الخاصِّ بِي عَلى الشبَكَةِ، دُونَ ما سِواهُ مِما يَنْتَشرُ فِيها مِما لا أرْتَضِيهِ الآنَ، والحمدُ للهِ رَب العالمين.
لكِنّنِي لا أُخْلِي هذا المَوضِعَ منْ الفائدَةِ فأقولُ: إنّ الرائدَ لا يَكْذِبُ أهْلَهُ، ولَقَدْ عَلّمَتْنا الحوادِثُ والأيامُ أنّ أيَسَرَ ما فِي الجِهادِ - علَى كَراهَةِ النفوسِ لهُ - هُوَ القِتالُ وحَمْلُ السلاحِ، وأن تَقْوِيمَ النفوسِ حَتّى تَستَقِيمَ علَى جَدِيلَةِ الحَقِّ وتَتَوسّطَ بَينَ الإفراطِ والتفْرِيطِ فَلا تَجْنَحَ إلَى تَساهُلٍ ولا تَنْحَرِفَ إلَى غُلُوٍّ فِي ساحاتِ الجِهادِ خاصةً يَحْتاجُ إلَى كَثِيرٍ من العِلْمِ الذِي تَفْتَقِرُ إلَيهِ الجماعاتُ التِي تَحْمِلُ لَواءَ الجِهادِ فِي سَبِيلِ اللهِ وتَدْعُوا إلَيهِ، والمقصودُ بالعِلمِ فِي هذا الموضعِ المعَنَى الأعَمُّ الذي تَستَقِيمُ معَهُ المفاهِيمُ وتَستَنِيرُ بِهِ العقولُ والأفكارُ، وتَقْدِرُ مَعَهُ علَى فَهْمِ ما يُحِيطُ بِها من الحَوادِثِ والوقائعِ؛ فِي وقْتٍ تقارَبَ فِيهِ الزمانُ والمكانُ؛ وتقاطَعَتْ فِيهِ مصالِحُ الأُمَمِ وسياساتُها فِي مواطِنَ وتَضارَبَتْ فِي أخْرَى، فلا يَستَقِيمُ تَقْدِيرُ مَصالِحِ الإسلامِ وأهْلِ الإسلامِ إلاَّ بالوقوفِ علَى القواعِدِ الجامِعَةِ لِفَهْمِ هذا كُلِّهِ، وذلكَ لا يَتِمُّ إلاَّ بِرُتْبَةِ الاجْتِهادِ فِي السياسَةِ الشرْعِيَّةِ، وهذهِ بَدَورِها تَحْتاجُ إلَى كَثِيرٍ مِن العُلُومِ التِي أضْحَتِ اليَومَ مِن أعْظَمِ أسبابِ القُوّةِ بَينَ الأمَمِ.
والجهادُ وإنْ كانَ ضَرورَةً لأمّةِ المُسملِينَ وهَو لها كالروحِ للجَسدِ؛ فالعَلْمُ وفِقْهُ العَمَلِ بالعِلْمِ مِن الجِهادِ كالروحِ للجَسدِ أيْضًا، وكما أنّ الجِهادَ عِبادَةُ الأمَّةِ بأسرِها؛ فالعِلْمُ المُصَحِّحُ لَهُ وظَيفَتُها كَذلكَ، وليسَ المرادُ بِالنَقْدِ فِي هذا الموضعِ إلقاءَ اللائمَةِ والتبِعَةِ علَى مَن حَملَ لِواءَ الجِهادِ فِي سَبيلِ اللهِ فِي هذا الوقتِ الذي لا يَسعُ أهلَ الإسلامِ تَركُهُ، ولا لَومَ المُقصّرِ مِن أهلِ العِلمِ فِي بَيانِ ما يَجِبُ علَيهِم مِن الحقِّ والقيامِ بِتكالِيفِهِ، بل المرادُ الوقوفُ علَى حَقِيقِةِ الحالِ، وعلَى من أرادَ أن يَنْتَقِدَ مِن حالِ أهلِ الجهادِ والثغورِ شَيئًا أن يَتَنبّهَ أولًا إلَى أنَّ هؤلاءِ المجاهِدِينَ جماعاتٍ وأفرادًا هُمْ مِنَ الأمّةِ ومِن رِحِمِها