والدرايَةُ بِأحْوالِ الأَمَّةِ وما يُحِيطُ بِها، وكانَ فَهْمُ الأكابِرِ لذلكَ وفِقْههم فِيهِ من أعْظَمِ أسبابِ جَمْعِ الكَلِمَةِ والتعاوُنِ عَلى الإصلاح.
ويَلُوحُ لكَ من هَذا التَّقْرِيرِ أنَّ كُلَّ سِياسَةٍ خارِجَةٍ عن قَواعِدِ الشرْعِ وأصُولِهِ فَهِي مَرْدُودَةٌ عَلى أصْحابِها؛ مَمْنُوعٌ من جِهَةِ الشرْعِ مِنْها، وإنْ زَعَمَ المُشْتَغِلُ بِها أنَّ (فِقْهَ الواقِعِ) يَقْتَضِي ذلكَ، ولِذا فالأحْسَنُ أنْ يُقالَ: (الفِقْهُ الشَّرْعِيُّ للواقِعِ) ؛ لِيَخْرُجَ بِذلكَ كُلُّ ما خالَفَ الدِينَ والشرْعَ مِن العَقائدِ والمَنهاهِجِ والمَفاهِيم؛ كَمَنْ يَدْعُو إلَى تَعْطِيلِ شَرْعِ اللهِ وأحْكامِهِ؛ وكَمَنْ يَسْلكُ فِي السياسَةِ مَسالكَ مَن لا يَرْفَعُونَ بِدِينِ الإسلامِ رَأسًا ولا يُعَظِّمُونَ للهِ جَلَّ وعَلا حُرْمَةً؛ وكَمَنْ يُهْمِلُ دَعْوَةَ الناسِ إلَى التوحيدِ؛ ويُهْمِلُ تَصْحِيحَ عَقائدِهِمْ وعِباداتِهم ومَعامَلاتِهم عَلى وَفْقِ الوحْيَينِ الشرِيفَينِ؛ بِحُجَّةِ (فِقْهِ الواقِعِ) !، وكَمَن يُرِيدُ أنْ يَجْعَلَ فِقْهَ الشْرِعِ طَوْعَ فَهْمٍ للواقِعِ يُمْلِيهِ الهَوىَ والمصالِحُ الخاصةُ الجُزْئيةُ وإن عَارَضَتِ المَصالحَ العامةَ الكلّيةَ، بَلْ وإن عارَضَتْ أصولَ الشرْعِ وقَواعِدَهَ!.
وما دامَ هَذا الفَنُّ من شُغْلِ الأكابِرِ فَمِنَ الغُبْنِ صَرْفُ أوْقاتِ الناشِئَةِ فِيما لا طائلَ ورَاءَهُ ولا يُبْلَغُ بِهِ إلَى المَقْصُودِ مِن ذلكَ؛ وقَدْ ذكَرْنا أنَّ لِهَذا الفَنِّ أُصُولا وقَواعِدَ يَتَعَيَّنُ الرجُوعُ إلَيها، فَمَنْ وُجِدَ فِيه اسْتِعْدادٌ لِذلكَ مِن الطلابِ فلْيُرْشَدْ إلَى طِرِيقَةِ تَحْصِيلِهِ؛ فإنَّ الجَمْعَ بَينَ هَذا الفَنِّ مَعَ التمكُّنِ من فِقْهِ الشرْعِ والعِلمِ بالكِتابِ والسنَّةِ هُو الغايَةُ التِي تُوقِفُ المُجِدَّ عَلى مَدارِجِ الاجْتِهادِ فِي السياسَةِ الشرْعِيَّةِ وأبْوابِها؛ فَيَتَوصلُ العالمُ بِمَعْرِفَةِ الوَاقِعِ وَالتَّفَقُّهِ فِيهِ إِلَى مَعْرِفَةِ حُكْمِ اللهِ وَرَسُولِهِ، كما أشارَ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ الله، والجَمْعُ بَينَ رِعايَةِ مَصالِحِ الدِينِ والدنيا من أوجَبِ الواجِباتِ عَلى عُلماءِ المُسلمين.
أمّا شَغْلُ العامَّةِ وصِغارِ الطلَبِهِ بذلكَ؛ معَ إهمالِ سُنَّةِ التدَرُّجِ فِي تَحْصِيلِ هَذا الفَنِّ، وأنْ يُصْبِحَ ذلكَ دأبَ الأتْباعِ مَن كانَ لهُ أهْلًا ومن لَم يَكُنْ؛ وأنْ يُغَرَّرَ بِهمْ حَتَّى يَظُنَّ المُشْتَغِلُ بأَقَاوِيلِ المَجَلاّتِ وأكاذِيبِ الصحُفِ أنهُ قَدْ حازَ من هَذا الفَنِّ ما غابَ عَن غَيرِهِ، وهُو مَعَ ذلكَ مِن أجْهَلِ الناسِ بِما أوْجَبَهُ اللهُ تَعالَى عَلَيهِ من الفَرائِضِ والتكالِيفِ!؛ فَهَذا لَعَمْرُ اللهِ - مَعَ كَوْنِهِ خارِجًا عَن نَهْجِ السلَفِ فِي إحْكامِ أًصُولِ الدينِ وقَواعِدِهِ فِي النفُوسِ أولًا؛ وفِي تَرْبِيَتِهم عَلى صِغارِ العِلمِ قَبْلَ كِبارَهِ - مِما يُرْهِقُ كاهِلَ الأُمَّةِ ويَزِيدُ منْ أحْمالِها، وإنَّما المُطْلُوبُ صِناعَةُ بُناةِ الأُمَّةِ ورِجالِ الدَّوْلِةِ؛ وَهذا هُو غايَةُ الإعْدادِ المَطْلُوبِ بَعْدَ تَقْوى اللهِ تعالَى، لأَنَّهُ من لَوازِمِ التمِكِينِ لأمَة المسلمِين التي جُعِلَتْ في محَلِّ السيادَةِ والقيادَة خَيرَ أمَّةٍ أخْرِجَتْ للناسِ، فَما للجُهَّالِ الأغْرارِ ولِهَذا؟!.
ولعلَّ اللهَ تعالَى يُيَسرُ مزيدًا من التفْصِيلِ فِي هذا فِي موضعٍ آخر.
وباللهِ وحده التوفيقُ؛ وصلى اللهُ علَى مُحَمَّدٍ وعَلى آلِهِ وصَحْبِهِ وسلم.
خادِمُ العِلمِ وأهْلِهِ
كانَ اللهُ له
أبو الوليد الغزيُّ الأنصاريُّ.