الصفحة 52 من 207

ومَا يَلْتَقِي؛ وما يَطْرأُ عَلَى ذلكَ مِنَ التَّغْيِيرِ والتَّبْدِيلِ، وما يُؤَثِّرُ فِي ذلكَ مِنَ العَوامِلِ والقُوى؛ والعَقائدِ والمَناهِجِ؛ والسياساتِ والأَفْكارِ، والأهْدافِ والغاياتِ، بُغْيَةَ التَّوَصُّلِ بِذلكَ إلَى سُبُلِ وِقايَةِ الأُمَّةِ وحِمايَتِها مِن كَيدِ عَدُوِّها، والوقُوفِ عَلى الأسْبابِ التِي يَتَعَيَّنُ الأخْذُ بِها؛ لِنُهُوضِها فِي حاضِرِها ورُقِيِّها فِي مُسْتَقْبَلِها؛ عَلَى الوَجْهِ الذِي يَقْتَضِيهِ كَوْنُها خَيْرَ أَمَّةٍ أُخْرِجَتْ للناس.

قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللهُ عنه: قَد اجْتَهَدْتُ فِي صِياغَةِ هَذا التعْرِيفِ عَلَى وَجْهٍ جامِعٍ مانِعٍ إنْ شاءَ اللهُ تعالَى؛ مُسْتَنِدًا فِي ذلكَ إلَى ما وَقَفْتُ عَلَيهِ مِما يُحْتاجُ إلَيهِ فِي هَذا المَقامِ؛ وإلَى ما اتَّفَقَتْ عَلَيهِ عِبارَةُ المُتَكَلِّمِينَ فِيه؛ عَلى تَبايُنِ أنْظارِهِمْ واخْتِلافِ وِجْهاتِهم، أما الوقُوفُ عَلى مُفْرداتِ التعْرِيفِ وشَرْحُ ما تَضَمَّنَهُ من الفَوائدِ فَفِي مَوضِعٍ آخَرَ غَيرِ هَذهِ النوازِلِ التِي شَرِطْنا لها الاخْتصار.

وهذا العِلْمُ بِهَذا المَعْنَى لَيْسَ مِما يَجُوزُ النزاعُ فِيهِ ولا الخِلافُ حَوْلَهُ، بَلْ هُو مِن فُرُوضِ الكِفاياتِ التِي إذا قامَ بِها مَن يَحْصُلُ بِهمُ المَقْصُودُ سقْطَ عن الباقِين.

ويُعْلَمُ من التَّعْرِيفِ المَذكُورِ أَنَّ (فِقْهَ الواقِعِ) لَيْسَ قَسيمًا لِفِقْهِ السنَّةِ والكِتابِ، بلْ هُو آلَةٌ من آلاتِ الفِقْهِ فِي الدَّينِ بالمَعْنَى الأَعَمِّ الجامِعِ لِمصالِحِ الدنْيا والآخَرَةِ، قَدْ دَلَّ عَلَيهِ نَحْوُ قَولِهِ تعالَى: {وَخُذُوا حِذْرَكُمْ} ؛ ودَلَّ عَلَيهِ قَوْلُهُ: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ} ؛ وقَولُهُ: {وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ} ، وَغَيْرُها مِن الآياتِ، كما دَلَّ عَلَيْهِ هَدْيُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وسلَّمَ فِي السلْمِ والحَرْب؛ وعِلْمُهُ بأَحْوالِ الناسِ والقَبائلِ والأُمَمِ، ودَلَّتْ عَلَيهِ سُنَّةُ الخُلَفاءِ الراشدِينَ المَهْدِيِّينَ مِن بَعْدِهِ.

ثُمَّ هُو عِلْمٌ يَرْجِعُ إلَى أُصُولٍ وقَواعِدَ؛ شأنُهُ فِي ذلكَ شأنُ غَيْرِهِ من العُلُومِ، ويَحْتاجُ المُشْتَغِلُ بِهِ إلَى جُمْلَةٍ من العُلُومِ التِي تُقَوِّمِهُ وتُكَمِّلُهُ؛ وبِدُونِها يَبْقَى النظَرُ فِيهِ قاصِرًا عَنْ إِدراكِ الحَوادِثِ والحُكْمِ عَلى الوَقائعِ، فَلا بُدَّ لَهُ من العِلْمِ بالسنَنِ الكونِيَّةِ القَدَرِيَّةِ التِي تَسيرُ عَلى وَفْقِها حَركَةُ الكَونِ والحَياةِ، ويَحْتاجُ إلَى التارِيخِ وفِقْهِ حَرَكَتِهِ، وإلَى عِلْمِ الاجْتماعِ وسُنّتهِ، وإلَى مَعْرِفَةِ طَبائعِ الأُمَمِ والشعُوبِ وإدْراكِ مَفاتِيحِها وأسرارِها، وإلَى عُلُومِ السياسَةِ ومَدارِسِها، وإلَى عِلْمِ الاقْتِصادِ وفُرُوعِهِ؛ وإلَى الإعْلامِ وفُنُونِهِ، وإلَى عِلْمِ الحَرْبِ وضُرُوبِها وَمكايِدِها، وغَيْرِ ذلكَ مِما لا يَخْفَى خَطَرُهُ وأثَرَهُ.

ومِن نافِلَةِ القَوْلِ أنْ نَذكِّرَ هُنا أنَّ الفِقْهِ بكتابِ اللهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ صلَّى اللهُ علَيهِ وسلَّمَ أَصْلٌ يُرَدُّ إلَيْهِ فِي ذلكَ كُلِّهِ، ولِذا قُلْنا مِن قَبْلُ: إنَّ (فِقْهَ الواقِعِ) بِهَذا المَعْنَى راجعٌ إلى السياسَةِ الشرْعِيةِ التِي تَنْتَظِمُ مَصالِحَ الدارَيْنِ، فَلا تَعارُضُ بَينَ هَذا إِذَنْ وبَيْنَ الدَّعْوَةِ إلَى اللهِ تعالَى وإِقامَةِ التوْحِيدِ والشرْعِ؛ وإحْياءِ السنَّةِ المُطَهَّرَةِ؛ وإماتَتَةِ ما عَلِقِ بأهْلِ الإسلامِ من شوائبِ الخرافاتِ والبِدَعِ؛ وتَرْبِيَةِ المُسْلِمينَ عَلى ذلكَ، فالواجِباتُ الشرْعِيَّةُ يُكَمِّلُ بَعْضُها بَعْضًا، والواجِبُ عَلى المُسْلمِينَ الأخْذُ بِجَمِيعِها؛ وامْتِثالُ الأمْرِ بالقِيامِ بِها كُلِّها.

وجُمْلَةُ ما ذكَرْناهُ عَن (فِقْهِ الواقِعِ) يَدُلُّ عَلى أنَّ المُخاطَبَ بِذلكَ هُمْ أهْلُ الحَلِّ والعَقْدِ منْ عُلَماءِ المُسْلِمينَ وأُمَرائِهِم، فَبِقِيامِهمْ بِهَذا الواجِبِ تَتَحَقَّقُ الكِفايَةُ لأهْلِ الإسلامِ، وهَؤلاءِ مَتَى فَقِهُوا فَقِهَ أتْباعُهُمْ ولا بُدَّ؛ وسَرَتْ فِي الأمَّةِ الخِبْرَةُُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت