الصفحة 51 من 207

بِسْمِ اللهِ الرحْمَن الرحِيم

مَا لاَ بُدَّ مِنْهُ مِن فِقْهِ الواقِعِ.

رقَمُ الفَتْوى: 100/ 8/ 8276

وسُئلَ - مِرارًا - عَما اصطْلَحَ قَومٌ مِن المُعاصِرِينَ عَلى تَسْمِيَتِهِ بِ (فِقْهِ الواقِعِ) ، ما خُلاصَةُ القَولِ فِيهِ؟.

فَأجَاب:

الحَمْدُ للهِ؛ وبعد:

فَهَذهِ المسئلَةُ مِن المسائلِ التِي كَثُرَ الخَوْضُ فِيها؛ والكلامُ حَولَها، وقَدْ رَأَيْنا الناسَ فِيها - بَعْدَ التأَمُّلِ - طَرَفَينِ وَواسِطَةً، كما هُو الشانُ فِي كَثِيرٍ من المسائلِ التِي يَتَنازَعُ الناسُ حَولَها!.

وإِنَّنِي واللهِ لأَعْجَبُ من تَطْويلِ ذُيُولِ النزاعِ فِي مِثْلِ هَذا؛ مَعَ يُسْرِهِ وظُهُورِ أَمْرِهِ!، وأرَى أّنَّ ذلكَ منَ المكايدِ الخَفِيَّةِ بأُمَّةِ المُسْلِمِينَ، ومِنْ أَعْظَمِ البَلِيَّةِ أنْ يَنْزِعَ الخِلافُ بالمُسْلِمينَ إلَى حَيْرَةٍ لا يَهْتَدُونَ مَعَها إلَى الفَرْقِ بَينَ ما يُرِيدُونَ وما لا يُرِيدُونَ، وإلَى الذِي يَحْتاجُونَ إلَيْهِ؛ والذِي لا يَحْتاجُونَ إلَيْهِ، وللهِ عاقِبَةُ الأمور.

والواجِبُ عَلى من طَلَبَ الإنْصافَ فِي مِثْلِ هَذهِ المواطِنِ تَحْرِيرُ مَحَلِّ النزاعِ مِن بَيْنِ كَلامِ المُخْتَصِمينَ، دُونَ التَّحَيُّزِ إلَى فِئَةٍ دُونَ فِئَةٍ، فإنَّ الخُصَومَةَ عَمْياءُ بَكْماءُ صَمَّاءُ!، وطَلَبُ الحَقِّ يَحْتاجُ إلَى أُذُنٍ واعِيَةٍ وعَينٍ تُبْصِرُ ولِسانٍ لا تاخُذُهُ فِي اللهِ لَوْمَةُ لائِم.

والذِي أوْجَبَ تطوِيلَ ذُيُولِ المُنازَعَةِ فِي هَذا المَقامِ هُوَ التَسْمِيةُ الحادِثَةُ (فِقْهُ الواقِعِ) ؛ مَعَ جَعْلِ مَذاهِبِ الناسِ ومَناهِجِهِمْ تَفْسيرًا للمُرادِ مِن ذلكَ، وفِي هَذِهِ المَناهِجِ والمَذاهِبِ - ولا شَكَّ - ما يُقْبَلُ وما يُرَدُّ فِي مِيزانِ الوَحْيَيْنِ الشرِيفَيْنِ.

ولا حَاجَةَ للتَّطْويلِ أيْضًا بالنزاعِ فِي تَجْوِيزِ هَذا المُصْطلِحِ أو مَنْعِهِ، ولَيْسَ خُلُوُّ عِبارَةِ السلَفِ مِنْهُ دَلِيلًا عَلَى أنّهُ حادِثٌ فِي الدِينِ وبِدْعَةٌ ضَلالَةٌ!، ولَو كانَ اسْتِعْمالُهُمْ لِمُفْرَدِيِ (الفِقْهِ) و (الواقِعِ) معَ تَركِ اسْتِعْمالِ التركِيبِ (فِقْهِ الواقِعِ) دَلِيلًا عَلَى أنَّ اسْتِعْمالَ التركِيبِ بِدْعَةٌ مُحْدَثَةٌ فِي الدين، لكانَ كُلُّ مُسْتَعْمَلٍ من التراكِيبِ التِي لا عَهْدَ لَهُمْ بِها؛ مِثْلِ (أُصُولِ الفِقْهِ) و (أُصُولِ النحْو) و (أصُولِ الحَدِيثِ) بِدْعَةً أيْضًا؛ لأَنَّ مُفْرداتِ هَذهِ التراكِيبِ كانَتْ مَعُروفَةً مُسْتَعْمَلَةً عِنْدَ الصدْرِ الأولِ خَيرِ هذهِ الأمَّةِ؛ دُونَ التراكِيبِ نَفْسِها.

نَعَمْ؛ الفِقْهُ فِي الدينِ بالمَعْنَى الأَعَمِّ، والسياسَةُ الشرْعِيَّةُ بالمَعْنَى الأعَمِّ كذلكَ كافِيانِ؛ كَفِيلانِ بِكُلِّ ما يُحْتاجُ إلَيهِ فِي هَذا المَقامِ، وينَدَرِجُ تَحْتَحَهُما المَعْنَى الصوابُ الحَقُّ مِن الاصْطلاحِ الحادِثِ (فِقْهِ الواقِعِ) عَلى ما نَبَيِّنُهُ إنْ شاءَ اللهُ تعالَى، ويَسَعُ الناسَ - وللهِ الحَمْدُ - أنْ يَجْتَمِعُوا عَلى هَذا، فَإنَّهُ مِما وَقَعَ الاتِّفاقُ عَلى اسْمِهِ ومَعْناه.

والمَعْنَى الذي لَمْ أرَ فِيهِ اخْتِلافًا بَينَ المُتَكَلِّمِينَ فِي (فِقْهِ الواقِعِ) - عَلى تَبايُنِ مذاهِبِهِم فِيهِ هُوَ الذِي يَهُمُّنا فِي هَذا المَقامِ أولًا، ثُمَّ إنْ ثَبَتَتْ صِحَّةُ هَذا شَرْعًا؛ أمكَنَ تَمْييزُ الصوابِ مِن الخَطَأِ؛ وعُرِفَتِ المواضِعُ التِي وُجِّهَتْ إلَيْها سِهامُ الناقِدِين.

فَأَقُولُ وباللهِ التوفِيق: (فِقْهُ الواقِعِ) عَلَى هَذا: عِلْمٌ يُعْنَى بِمَعْرِفَةِ أحْوالِ الناسِ والأُمَمِ مِنَ المُسْلِمينَ وغَيْرِ المُسْلِمينَ؛ والوُقُوفِ عَلَى حَقائقِ تِلْكَ الأحْوال، وما بَيْنَ هَذهِ الأمَمِ من مَواضِعِ الالْتِقاءِ والافْتِراقِ؛ وما يَتَبايَنُ مِن مَصالِحِها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت