بِسم اللهِ الرحْمَنِ الرحِيمْ
ركُوبُ امرَأَةٍ وفَتاةٍ مَعَ سائِقِ الأجْرَة.
رَقم الفتوى: 98/ 2 / 3306
وسُئِلَ - كانَ اللهُ له - هَلْ يَجُوزُ للمَرْأَةِ أنْ تَرْكَبَ فِي سَيَّارَةِ أُجْرَةٍ ومَعُها أُخْتُها التِي تَبْلَغُ مِن العُمُرِ عَشْرَ سَنَوات، ألا تُعْتَبَرُ فِي هذه الحالَةِ خَلَوَةً مَعَ السائق؟.
فأجاب:
الحَمْدُ للهِ؛ وبَعْد: فقَدْ رَوى البخاريُّ فِي الصحيحِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِىَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمََ يَقُولُ: لاَ يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ ... الحديث. وتَرْجَمَ البخارِيُّ علَيْهِ فِي كِتابِ النكاحِ؛ وزاد: إلاَّ ذُو مُحْرَم. وذكَرَ في البابِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ؛ قَالَ: إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ أَفَرَأَيْتَ الْحَمْوَ؟؛ قَالَ: الْحَمْوُ الْمَوْتُ.
ثُمَّ بَوَّبَ بَعْدَهُ: باب مَا يَجُوزُ أَنْ يَخْلُوَ الرَّجُلُ بِالْمَرْأَةِ عِنْدَ النَّاسِ، وذكَرَ فِيهِ حَديثَ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسلَّمَ فَخَلاَ بِهَا فَقَالَ: وَاللَّهِ إِنَّكُنَّ لأَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ. انتهى.
وَفِي الْمُسْنَدِ وعِنْدَ التِّرْمِذِيِّ فِي السنَنِ وعِنْدَ ابنِ ماجَةَ أيْضًا عَنْ عُمَرَ بنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أنَّ النَّبِيَّ صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسلَّمَ قال: لاَ يَخْلُوَنَّ أَحَدُكُمْ بِامْرَأَةٍ فَإِنَّ الشيْطَانَ ثَالِثُهُما.
وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو مَرْفُوعًا: لَا يَدْخُلْ رَجُلٌ عَلَى مُغِيبَة إِلَّا وَمَعَهُ رَجُل أَوْ اِثْنَانِ.
فَفِي جُمْلَةِ هذه الأحادِيثِ وما فِي مَعْناها مِن الأَحادِيثِ النَّهْيُ عَن الخَلْوَةِ بالأّجْنَبِيَّةِ لما يَحْصُلُ فيهِ من الريبَةِ، والخَلْوَةُ المَنْهِيُّ عَنْها في ظاهِرِ الحديثِ هِيَ خُلُوُّ الرجُلِ بامْرَأَةٍ بَعِيدًا عَنْ أعْيُنِ الناس؛ فإن كانَ مَعَهُما ثالِثٌ زالَتِ الخَلْوَةُ علَى الصحيحِ؛ رَجُلًا كانَ الثالِثُ أو امْرَأَةً، ومِن العُلَماءِ مَن مَنَعَ مِن ذلكَ أيضًا؛ وبِهِ قالَ الحَنابِلَة، وهُوَ قَوْلُ إِمَامِ الحَرَمَيْنَ، وفِي مَعَناهُ مَنْعُ الشافِعِيِّ مِنْ إمامَةِ الرجُلِ بِنِساءٍ أَجْنَبِياتٍ إلا أنْ يَكُونَ فِيهِنَّ مَنْ هُوُ مُحْرَمٌ لَها، والصوابُ المُعْتَمَدُ إنْ شاءَ اللهُ ما ذَكَرْناه؛ قالَ النوَوِيُّ: لِعَدَمِ الْمَفْسَدَةِ غَالِبًا؛ لأنَّ النِّساءَ يَسْتَحْيِينَ مِنْ بَعْضِهِنَّ بَعْضًا فِي ذَلِك. انْتَهى. فإنْ خِيفَتِ الفِتْنَةُ مَعَ ذلكَ كأنْ يكُونَ الرجُلانِ فاجِرَينَ؛ أَوْ المَرْأتانِ كَذلكَ فَحَرامٌ إعْمالًا لِقاعِدَةِ الشرْعِ في سَدِّ الذرائعِ.
وعَلَى هَذا فالصورَةُ المَسْؤُولُ عَنْها لا خَلْوَةَ فِيها إنْ شاءَ اللهِ بالشرْطِ المَذْكُورِ، ولأّنَّ ابْنَةَ العَشْرِ كَبِيرَةٌ حُكْمُها حُكْمُ المَرْأَةِ واللهُ تعالَى أَعْلَم.
لكنْ عَلى المَرْأَةِ أنْ تَتَّقِيَ اللهَ تَعالَى فِي خُرُوجِها سافِرَةً مُتَبَرِّجَةً؛ أوْ مُتَعَطِّرَةً مُتَطَيِّبَةً!؛ أوْ فِي إلانَةِ الكلامِ والخُضُوعِ بالقَوْلِ؛ ومُمازَحَةِ السائِقِ الأَجْنَبِي؛ كما يَفْعَلُهُ كَثِيرٌ مِن النساءِ!، فكُلُّ ذلكَ حَرامٌ لما يُفْضِي إلَيْهِ من المَفاسد.
والترْخِيصُ فِي ذلكِ بِشَرْطِهِ فِيهِ رِفْقٌ بالناسِ لِشِدَّةِ حَاجَتِهِمْ إلَيْهِ؛ ولأنَّ المَنْعَ مِنْهُ يُفْضِي إلَى التَّضْييقِ عَلَيِهِمْ فِي مَعايِشِهِمْ؛ بَلْ مِن العُلَماءِ مَنْ جَوَّزَ رُكُوبَ المَرْأَةِ وَحْدَها مَعَ سائِقِ الأُجْرَةِ الأَجْنَبِيِّ داخِلَ المدِينَةِ فِي الطُّرُقِ المَاهُولَةِ حَيثُ يَراهُمُ الناس، وَزُجاجُ النوافِذِ كاشِفٌ عَما وَراءَهُ للعِلَّةِ المَذْكُورَةِ، وكأنَّهُ استَنَدَ فِي تَجْوِيزِ ذلكَ إلى ما بَوَّبَ عَلَيْهِ البُخارِيُّ فِي الصحيحِ مِن جَوازِ إردافِ الرجُلِ المَرْأَةَ الأَجْنَبِيَّةَ عَلى الدابَةِ، وذكَرَ الحافِظُ فِي الفتْحِ أن مَحَلَّ ذلكَ حَيثُ أُمِنَتِ الفِتْنَةُ،