ولا صِدْقَهُ من كَذِبِهِ؛ ولا المُتّفِقَ مِنهُ من المُخْتَلِفِ؛ إلاَّ الخاصَّةُُ من الناسِ؛ وهُمْ الرسُولُ صَلَواتُ اللهِ وسلامُهُ علَيهِ فِي حَياتِهِ؛ وأولُو الأمْرِ من بَعْدِهِ الذِينَ هُمُ الأمراءُ المُسلِمُونَ والعُلَماءُ العامِلُونَ والكُبَراءُ وأهْلُ الرأيِ مِنْهُمْ، ومَعَنَى هَذا أنَّ أكْثَرَ الناسِ لا يَعْلَمُونَهُ، وهَذا مُطابِقٌ لِحَقِيقَةِ الحال.
ولذا قالَ بَعْدَها أيْضًا: {وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا} ؛ يَعْنِي لولا لُطْفُ اللهِ تعالَى بِكُمْ وحِياطَتُهُ لأولِيائِهِ لاتَبَعَ كَثِيرٌ مِنكُمْ هَذهِ المَكايِدَ التِي تَرُوجِ علَى العامَّةِ من المُؤمِنينَ؛ ولا تَروجُ علَى أهْلِ الرايِ مِنْهُمْ.
والآيَةُ المَذكُورَةُ نَزَلَتْ فِي الأصْلِ للتحْذِيرِ مِما يَصْنَعُهُ المُنافِقُونَ - قِيلَ: وضَعَفَةُ المُسْلمينَ - بأخْبارِ المُجاهِدِينَ الذِينَ خَرَجُوا فِي الغَزْوِ فإنْ أصابَهُمْ مَكْرُوهٌ وأذَىً ذكَرُوهُ وَأَشاعُوهُ؛ وتَحَدَّثُوا بِهِ ونَشَرُوهُ، وإنْ كانَتِ الغَلَبَةُ لَهُمْ ومَكّنَهُمُ اللهُ من عَدُوِّهِمْ كَتَمُوا ذلكَ وزَوَّرُوهُ؛ وأخْفَوْا ما يَفْرَحُ بِهِ المُؤمِنُونَ، وهذا هُوَ عَينُ الواقِعِ فِي أيامِنا هَذهِ، بلْ إذا كانَتِ الإذاعَاتُ المُنْتَسِبَةُ إلَى الإسلامِ فِي بلادِ المُسْلمينَ تَصْنَعُ ذلكَ! لغَلَبَةِ الهَوى والتَبَعِيّةِ للأمَمِ الكافِرَةِ علَى كَثِيرٍ مِن القائمِينَ عَلَيها، فما ظَنُّكَ بإذاعاتِ الدُّولِ الكافِرَةِ بدِينِ الإسلامِ والمُحارِبَةِ لَه؟!.
واعْلَم أنَّ الطعْنَ فِي المُجاهِدِينَ الذِينَ خَرَجوا للذبِّ عن دِينِ الإسلامِ فِي هَذهِ الإذاعاتِ أو غَيرِها يَستَلْزِمُ تَوهِينَ الإسلامِ وإضْعافَ المُسلِمينَ كافّةً، فإنّنا لا نَعْلَمُ فِي زَمانِنا هَذا مَن يَقِفُ سَدّا مَنِيعًا فِي مُواجَهَةِ ما يُرادُ بِأهْلِ الإسلامِ مِن مَكْرٍ وكَيدٍ كَما يَقِفُونَ هُمْ!، فلا يُحِبُّهُم إلا مُؤمِنٌ ولا يُبْغِضُهُمْ إلاّ جاهِلٌ أو مُنافِقٌ، فلْيَحْذَرِ المَرْءُ من أنْ يَكُونَ سَبَبًا فِي هَدْمٍ صَرْحِ الإسلامِ بِمِثْلِ العَمَلِ المَذكُورِ؛ ولَو مِن حَيثُ لا يَشْعُرُ.
واللهُ أعلمُ؛ وصلّى اللهُ علَى مُحَمدٍ وعَلى آلِهِ وصَحْبِهِ وسلّمَ.
كانَ اللهُ لَه
خادمُ العِلمِ وأهْلِه
أَبُو الوَلِيدِ الغَزّيّ الأَنْصارِيّ