بسمِ اللهِ الرحْمَنِ الرحِيمِ
حُكْمُ العَمَلِ فِي إذاعَةٍ غَرْبِيَّةٍ.
رَقَمُ الفَتْوى: 100/ 10/4313
وسُئِلَ عَنْ عَمَلِ الرجُلِ مِن المُسْلِمينَ مُذِيعًا لِنَشَراتِ الأخْبارِ فِي هَيئاتِ الإذاعَةِ فِي الدُّوَلِ الغَرْبِيّةِ؛ حَيثُ يُنْشَرُ فِي هَذهِ الأخْبارِ ما يُرادُ بِهِ الطعْنُ فِي الإسلامِ؛ أو تَوْهِينُ أهْلِهِ، فما حُكْمُ ذلكَ؟.
فكَتَبَ فِي جوابهِ:
الحَمْدُ للهِ؛ وبعَد: فَكُلُّ مَن يَتَتَبَّعُ مَا تَقومُ بِهِ الهَيئاتُ الإذاعِيةُ المذكُورَةُ مِن تَوهِينٍ لأهْلِ الإسلامِ؛ ولَمْزٍ فِي دِينِهِمْ؛ والعَمَلِ علَى بَثِّ رُوحِ اليَأسِ فِي أهْلِهِ؛ وإشاعَةٍ لأسْبابِ الفُرْقَةِ والضعْفِ فِيهِمْ؛ وغَيرِ ذلكَ مِمّا يَرْجِعُ إلَى صُنُوفٍ وألْوانٍ من المَكْرِ والكَيْدِ الذِي يَظْهَرُ فِي صُورٍ شَتّى تَرْوجُ علَى العامَّةِ مِن المُسْلمِينَ؛ يَقْطَعُ يَقْينًا بأنَّ العَمَلَ المُشارَ إلَيْهِ عَلَى الصفَةِ المذْكُورَةِ خِيانَةٌ للهِ ورَسُولِهِ؛ وأنَّهُ يَحْرُمُ علَى المُسْلمِ تَحْرِيمًا قاطِعًا لا هَوادَةَ فِيهِ أنْ يَعْمَلَ فِي تِلْكَ الهَيئاتِ أو يُعِينَها علَى أغْراضِها، فَإنْ كانَ مَعَ ذلكَ راضِيًا بِما يُنْشَرُ مِن الطعْنِ بالإسلامِ وأهْلِهِ فَذلكَ كُفْرٌ مُخْرِجٌ مِن الإسلامِ، وقَدْ بَيَّنَ سُبْحانَهُ وتعالَى فِي الكِتابِ الكَرِيمِ أنَّ اخْتِلاقَ الأخْبارِ وإذاعَتَها وهِيَ عَلى خِلافِ الواقِعِ مِن شأنِ المُنافِقِينَ؛ لِيَظُنَّ المُسْلِمُونَ الأمْنَ فِي وَقْتِ الخَوفِ فَيتْرُكُوا أخْذَ الحَذَرِ والاسْتِعْدادَ للعَدُوّ؛ ولِيَظُنُّوا الخَوفَ حالَ الأمْنِ فَتضطَرِبَ أمُورُهُم وتَخْتَلَّ أحْوالُهُمْ وتَضْعُفَ عَزائِمُهُمْ؛ فَيَسْهُلَ علَى العَدُوِّ السيْطَرَةُ علَيْهِمْ، والعَمَلُ المُشارُ إلَيهِ لا تَخْرُجُ أهْدافُهُ عَن هذا قِيدَ أُنْمُلَةٍ، فَلا يَصْنَعُهُ رَجُلٌ يُؤمِنُ بِاللهِ واليَومِ الآخِر.
ولا يَخْفَى ما لِهَذهِ الوَسائلِ الإعْلامِيَّةِ مِن التأثِيرِ عَلى الرايِ العامِّ وصِناعَتِهِ؛ واستِمالَةِ الناسِ لتَنْفِيذِ ما يُرْمَى إلَيهِ من غاياتٍ وأهْدافٍ.
ورُبّما كانَ مَن يَعْمَلُ فِي تِلكَ الإذاعاتِ جاهِلًا بِتَفاصِيلِ ما يُرادُ مِن المَكْرِ والكَيدِ؛ ولَعَلَّهُ يَغْتَرُّ بِبَعْضِ ما يُقَدَّمُ فِيها عَن الإسلامِ؛ ويَحْسَبُ أنَّ ذلكَ يَشْفَعُ لَهُ فِي العَمَلِ فِيها!، وكُلُّ مَن لَهُ ذَرَّةٌ عَقْلٍ يَعْلَمُ أنَّ الكافِرَ لاَ يَهْتَمُّ بَشَيءٍ مِن مَصالِحِ الإسلامِ ولا مَنافِعِ أهْلِهِ وإنْ زَعَمَ ذلكَ؛ ولَن يُقَدِّمَ مِنَ الإسلامِ شَيئًا إلاَّ وهُوَ يَعْلَمُ أنّ ما يَجْنِيهِ مِنْ وَراءِ ذلكَ لصالِحِهِ أضْعافُ ذلكَ بِمَرّاتٍ ومَرّاتٍ، ومَن شَكّ في هَذا فَلْيَقِسْ هَذا عَلى نَفْسِهِ، فَمَتَى خَطَرَ عَلى بالِ مُسْلِمٍ - باللهِ علَيكَ - أنْ يَهْتَمَّ لِشُئُونِ الأمَمِ النَصرانِيَّةِ أوْ يُعْمِلَ فِكْرَهُ فِي جَلْبِ مَصالِحِها أو دَفْعِ المَضارِّ عَنْها؟!؛ اللهُمَّ إلاَّ أنْ يَكُونَ عَدُّوًا للإسلامِ؛ بائِعًا نَفْسَهُ لِهَواهُ بِعَرَضٍ من الدُّنْيا قَلِيلٍ!، فَهَكَذا الحالُ هُنا، ما فَكّرَ الكافِرُ النصرانِيُّ أوْ غَيرُهُ يَومًا بِمَصالِحِ أُمّةِ الإسلامِ؛ ولا خَطَرَ بِبَالِهِ - فَضْلًا عَن أنْ يُؤَرِّقَهُ - إنْقاذُها مِمّا يَعْرِضُ لَها مِن مِحَنٍ وابْتِلاءاتٍ!، كَيفَ واللهُ تَعالَى يَقُولُ عَنْهُم: {وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً} ؛ ويقُولُ عَنهم: {وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا} ؛ لفَظُ الآيةِ يدُلُّ علَى أنهمْ إنْ شَرَعُوا فِي ذلكَ لا يَنْقَطِعُونَ عَنهُ،
ولَفْظُ {ولا يَزالُونَ} يَدُلُّ علَى أنهُ يَدُومُ فِي المُسْتَقْبَلِ، وغايَةُ قِتالِهِمْ ما ذُكِرَ؛ وهُو الرجُوعُ عن دِينِ الإسلامِ!.
ولذَا قالَ فِي الآيةِ السابِقَةِ: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} فَدَلَّ هَذا علَى أنّ مِن الأخْبارِ ما لا يَعْرِفُ وَجْهَهُ وحَقِيقَةَ المُرادِ مِن إشاعَتِهِ؛ وهَلْ هُوَ مِما يُذاعُ أمْ لا، ولا يَدْرِي حَقّهُ من باطِلِهِ؛