الجهادِيّةِ) ونَحْوِها؛ لأَنّنِي أرْمِي مِن وَراءِ ذلكَ إلَى أنّ كُلّ دَعْوَةٍ لا تَعْتَصِمُ بَعْدَ كِتابِ اللهِ تَعالَى وسنّةِ نَبِيهِ صلّى اللهُ علَيهِ وسلمَ بِحَبلِ الأمّةِ المُسلِمَةِ وتَكُونُ دَعْوَتُها لأُمّةِ الإسلامِ كافّة؛ وتَكُونُ الأُمّةُ من ثَمّةَ مَحْضَِنًا لَها؛ مالَمْ تَكُنْ كذلكَ انْقَطَعَتْ بِها السبُلُ؛ وَوُئِدَتْ فِي مَهْدِها؛ وتَخَلّتِ الأُمّةُ عَنْها وهِيَ أحْوجُ ما تَكُونُ إلَيْها، والأسْماءُ المُحْدَثَةُ كَثِيرًا ما تَسْتَحِيلُ مَعَ مُرورِ الزّمَنِ غاياتٍ يُنافِحُ الأتْباعُ المُقَلّدَةُ عَنْها؛ كما تَرَى كَثِيرِينَ مِن عامّةِ الناشِئَةِ والأتْباعِ يُعَظّمُونَ كُلّ منْ لُقّبَ بالشيخِ لأنهُ انْتَسَبَ إلَى التسمِيَةِ المذكُورَةِ؛ مَعَ فَقْرٍ ظاهِرٍ فِي العِلْمِ فِي هذهِ الطائفَةِ عامّةً؛ وفِي كَثِيرٍ من المُنْتَسبِينَ إلَى المَشيَخَةِ مِنهُم خاصّةً!؛ وفِي المُقابلِ تَرَى أولئكَ الأتباعَ لا يَرْفَعُونَ بِغَيرِهِم مِن المَشايِخِ رَأسًا وإن كانُوا من فُحُولِ العِلْمِ وأساطِينِ الفِقْهِ فِي الدّينِ!.
وأيضًا فَنُشوءُ الدعْوَةِ فِي حضانَةِ الأُمّةِ يُحَصّنُ الدعْوَةَ من الانْحرافِ؛ ويَحْمِيها من زَغَلِ العِلْمِ؛ والواجِبُ تَرْبِيَةُ الاتْباعِ علَى ذلكَ؛ والتمسكُ بِغَرْزِ العِلْمِ الذِي يَجْمَعُ ولا يُفَرّقُ؛ والذِي يقَدّرُ للمصالِحِ حقّ قدْرِها؛ ويَعْمَلُ علَى سَدّ ثغراتِ الاخْتِلافِ ما أمكنَ دَونَ أن يَضَيّعَ الأصولَ والقواعِدَ؛ ويَرْعَى المَقاصِدَ الكُلّيّةَ الجامِعَةَ لمصالِحِ الدارِينِ، وتلكَ مَنزِلَةٌ لا يَقْدِرُ عَلَيها إلا مَن كانَ (فَقِيهًا عَلاّمةً حَقّا) .
إنّ الجِهادَ فِي سَبيلِ اللهِ عِبادَةٌ وتكلِيفٌ للأُمّةِ بأسْرِها؛ وكذلكَ العِلمُ؛ ومن قَبلِ ذلكَ التوحِيدُ والولاءُ للمُؤمِنينَ والبراءَةُ من الكافِرِينَ، وما دامَ شَيئٌ مِنهُ موافِقًا للشرعِ فعَلَى الأمّةِ أن تَقُومَ بِهِ، ولا يَصِحُّ البَتّةَ أنْ نخْتَزِلَ ذلكَ فِي طائفَةٍ أو جَماعَةٍ من المُسْلمينَ، وعلَى مَن حَمَلَ رسالَةً من ذلكَ أن يَنْخَرِطَ بِها فِي صفوفِ أهْل الإسلامِ - عامّتِهِم وخاصّتِهِمْ - بالدلِيلِ الواضِحِ والحُجّةِ الناهِضَةِ، لا أنْ يَقْبَعَ فِي زَاوِيَةٍ مَحْصورَةٍ من المُقَلِّدَةِ والأتْباعِ؛ ويَنْتَبِذَ بِما تَقَرّرَ عِنْدَهُ من الآراءِ مَكانًا قَصِيًّا؛ حَتّى إذا ما طالَ عَلَيها الأمدُ استحالَتْ عقائدَ راسِخَةً يُحاكِمُ الناسَ إلَيْها، ويُرِيدُ أن يَجُرَّ الأمّةَ بأسْرِها إلَى زاوِيتِهِ دُونَ مُراجَعَةٍ أو تَمْحِيصٍ!، فِمِثْلُ هذا هُو الذِي حَملَ بَعْضَ رُؤسِ هذهِ الطوائِفِ أن يَقُولَ يَومًا مِن الأيامِ: علَى وَجْهِ الأرْضِ عِلْمٌ لا يَعْرِفُهُ سِوى ثَلاثَةٍ؛ فَذكَرَ نَفْسَهُ؛ وسَمّى اثْنَينِ آخَرَينِ من طائفتهِ!!، وهُو الذَي حَمَلَهُ يَومًا علَى أن يَحْكُمَ علَى طائِفَةٍ أخْرَى تُخالِفُهُ فِي مسائلَ من الفِقْهِ كانَ يَحْسَبُها من أبْوابِ الاعْتِقاداتِ بأنَّهُمْ فُسّاقٌ بأعْيانِهِم!!، وهُو الذِي حَمَلَهُ ويَحْمِلُ الكَثيرِينَ مِن مقلّدتهِ ممن يعدونهُ من (بحارِ العلم) ! علَى المجازَفَةِ بأحكامِ التكفِيرِ؛ حَتّى بلغَ الحالُ بِبَعْضِ المُتأثّرينَ بمَدْرَسَتِهِ من (المُتَمَشْيِخِينَ) أنْ يَعْتِقِدَ أنّ حُكْمَهُ علَى مُعَيِّنٍ بالتكْفِيرِ أَصْلٌ مِن أصولِ الدينِ يُحاكَمُ الناسُ إلَيهِ فَيكُونُ كُلُّ من خالَفَهُ فِي تكْفِيرِهِ كافِرًا!!، كما بَلَغَ الحالُ بِبَعْضِ هَؤلاءِ أنْ يَجْعَلَ بِزَعْمِهِ كُفْرَ (حَماسٍ) مِن المعْلُومِ من الدينِ بالضرُورَةِ!!؛ فما كَفاهُ أن جازَفَ بالتكفِيرِ جَهْلًا؛ حَتّى أضافَ إلَيهِ جَهْلًا آخَرَ فَزَعَمَهُ من المَعْلُومِ من الدّينِ بالضرُورَةِ أيْضًا!، وقائلُ هذا لا يَدْرِي ما يَخْرُجُ مِن رَأسِهِ، ولَعَمْرِي ما شَمَّ أمثاله رائِحَةَ العِلْمِ وإن نَعَتَهُ الناسُ بألقابِ الإجلالِ والتعظيم.
ومَن طالعَ تارِيخَ الدعواتِ الإصلاحِيّةِ التِي كانَ لَها أعْظَمُ الأثَرِ فِي الأمّةِ، ونفعَ اللهُ بِها ومَكَثَ خَيرُها فِي الأرْضِ، ظهَرَ لَهُ صِدْقُ ما قَرّرْناهُ؛ وأنّ كُلّ دعْوَةٍ انفَصَمَتْ عن الأمّةِ جَسدًا ورُوحًا آلَ أمْرُها إلَى الزوالِ، وخُلاصَةُ القَولِ أنّ نَجاحِ الدعْوَةِ لا بُدَّ لَهُ من أصْلَينِ: