الصفحة 40 من 207

والمِنَّةُ، ولم أعْرِفْ سِوَى الانْتِسابِ إلى ما كانَ علَيهِ سلفُ الأمّةِ من الصحابَةِ والتابعِينَ عَقِيدَةً وفِقْها وسلوكًا، وألْهَمَنِي مَعَ ذلكَ أن أقْفَ مِن الناسِ جماعاتٍ وأفرادًا مَوقِفَ الحَكَمِ من الخُصومِ، وإنّما كُنْتُ أصْنعُ ذلكَ فِي بداياتِ الطلَبِ بِحَسْبِ ما يُفْتَحُ علَيَّ من العِلمِ، ولذا كُنْتُ قَرِيبًا مِن هذا وذاكَ؛ علَى ما بَينَ الناسِ من اخْتِلافٍ في الآراءِ والمَناهِجِ والأفْكارِ، وأسْمَعُ من الجَمِيعِ سَماعَ وَعْيٍ وبَحْثٍ عن الصوابِ لا سَماعَ إذعانٍ وقُبُولٍ؛ ولم يَكُنْ لِي مِن العِلْمِ يَومَها ما يُؤَهّلُنِي لِلمُحاكَمَةِ كُلِّ ما أسْمَعُ إلَى الكِتابِ والسنَّةِ، وإن كُنْتُ بِحُكْمِ نَشأتِي في الطلَبِ أمِيلُ إلَى كُلِّ ما هُو سَلَفِيٌّ، وهذا وإن كانَ قَدْ جَرَّ عَلَيَّ كَثِيرًا من المَتاعِبِ فنَسَبَ الناسُ بِسَبَبِهِ إلَيَّ ما لَمْ أَقُلْ بِهِ يومًا ولا أقولُ بِهِ إلَى يَومِي هذا؛ وعَدُّونِي فِي مواطِنَ أُخْرَى مُوافِقًا لكُلِّ قَولٍ سَكَتُّ عَن إنكارِهِ، حَيثُ كانَ سُكُوتِي لِقُصورِ آلَتِي العِلْمِيّةِ وخِبْرَتِي العَمَلِيّةِ آنَذاكَ؛ إلا أنهُ قَدْ أفادَنِي بِحَمْدِ اللهِ تعالَى كَثِيرًا من جِهَةٍ أخْرى، فإنّهُ أوقَفَنِي علَى مَناهِجِ الجماعاتِ وآراءِ الأفرادِ أولا؛ وحَمَلَنِي علَى الاجْتِهادِ فِي بَحْثِ ما يَعْرضُ لِي مِن المَسائلِ بَحْثًا فِقْهِيًا مُجَرّدًا عن العَصَبِيّةِ ثانِيًا؛ وأخَذَ بِيَدِي إلَى ما كَنْتُ أرْجُوهُ من التحَرُّرِ من رِبْقَةِ التقلِيدِ؛ وَالوقُوفِ منَ المسائل الخِلافِيّةِ مَوقِفَ النظَرِ والترجِيحِ بالدلِيلِ مَع اشتِدادِ عُودِ العِلْمِ ثالثًا، وذلكَ فضلُ اللهِ وحْدَهُ، والمقصودُ أنّ مُراقَبَةَ أحوالِ المُخْتَلِفِينَ قَدْ أوقَفَتْنِي علَى شاهِدِ صِدْقٍ لقَولِهِ علَيهِ الصلاةُ والسلامُ: الناسُ كإبلٍ مائةٍ، فإنكَ لا تكادُ تَجِدُ فِي كُلِّ مائِةِ مُتَكَلِّمٍ يَتِيهُ في بَيْداءِ التنازعِ والخِلافِ مُنْصِفًا يَنْشُدُ الحقَّ ويسعَى إلَيهِ، وإنّما هُو السبابُ، والتقاذفُ، والغمْزُ، واللمْزُ، والهَمْزُ، واتّهامُ النيّاتِ، والطعْنُ فِي المقاصِدِ والغاياتِ؛ والانتصارُ تعصبًا للمدرسَة والشيخِ والمذهبِ!، ثُمّ ظَهَرَ ذلكَ جَلِيًا واضِحًا لا خَفاءَ فِيهِ للعَدُوِّ قَبلَ الصدِيقِ! لَمّا ظَهَرَتِ (الشبَكَةُ العَنكبوتِيَّةُ) ؛ معَ اتساعِ مساحَةِ الاخْتِلافِ؛ لتشملَ الأحزابَ والفِرَقَ والمذاهِبَ والأفرادَ والمشايخَ والمناهِجَ والأفكارَ والآراءَ؛ كما تَناوَلَها الجهالُ وأنصافُ المتعلّمِينَ والمُغْرِضونَ؛ كما رأيتُ ذلكَ باسْتِقْراءِ عَشراتٍ من المواضيعِ والمسائلِ المطْروحَةِ في الشبكة.

وانتِشارُ هذهِ الآفَةِ دلِيلٌ علَى قُصورٍ عَظِيمٍ فِي تَرْبِيَةِ الأتْباعِ يَتَعَيّنُ مَعَهُ علَى المُتْبوعِينَ استِدْراكُ ذلكَ والحياطَةُ لهُ بِخُطّةٍ شامِلَةٍ تَرْعَى غَرْسَ روحِ الإنصافِ حَتّى يَستَحِيلَ العَدْلُ مَلَكَةً فِي النفوسِ، وتُرَوِّضُ العُقولَ والأفكارَ علَى أدَبِ الخِلافِ، وذلكَ لا يَكُونُ إلاّ بالعِلْمِ المَتِينِ، والأخْذِ بأيْدِي الطلَبَةِ فِي مَدارِجِ التحْصِيلِ الذِي يُفْضِي مَعَ الجِدِّ والمثابَرَةِ إلَى القُدْرَةِ علَى النظَرِ والاسْتِنباطِ، والترفُّعِ بِهِمْ عَنِ دَوْرِ التابِعِ الإمّعَةِ الذِي يُحْسِنُ إنْ أحْسَنَ شَيْخُهُ ويُسِيئُ إن أساءَ!، ومِن أعْظَمِ مَوانِعِ حُصولِ هذا الذِي نَدْعُو إلَيهِ الغُلُوُّ الذِي نَراهُ فِي تَعْظِيمِ المَتْبُوعِينَ!، حَتّى أصْبَحْنا نَرى مِن الطلَبَةِ مَنْ يَحْكِي عَن شَيْخِهِ كُلَّ حَركاتِهِ وسَكَناتِهِ!؛ فَيَذكُرُونَ عَن كَراماتِهِ؛ وعَن هَيْئةِ لِباسِهِ وحَدِيثِهِ؛ ومطعَمِهِ ومشربهِ؛ وركُوبِهِ ومَشْيِهِ؛ وزُهْدِهِ وضحِكِهِ وبُكائِهِ؛ وخُشُوعِهِ فِي صلاتِهِ؛ وعِبادَاتِهِ، ورُبّما بالغُوا فِي المَدْحِ فقالُوا: أعْبَدُ أَهْلِ المِصْرِ، أوأورَعُهُم؛ أو أزْهَدُهُم، ونَحْوُ ذلكَ، وكُلُّ ذلكَ عَلى عَيْنِ الشيْخِ وسَمْعِهِ!، ورُبّما تَنافَسُوا فِي ذكْرِ محاسِنِ الشيوخِ علَى وَجْهٍ يُشْعِرُ بافْتِتَانِ التابِعِ بالمَتْبوعِ!!، وذلكَ معَ كَونِهِ مِن المَدْحِ الذِي نَهَى الشارِعُ عَنهُ فإنّهُ خارِجٌ عن هَدْيِ سَلَفِ الأمّةِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ؛ مع ما فِيهِ من تَعْرِيضِ المُتْبُوعِ للفِتْنَةِ أَيضًا.

وأكْثَرُ ما أَنْتَ راءٍ ذلكَ فِي الأحْزابِ والفِرَقِ ومدارِسِ المَناهِجِ التِي تَنازَعَ الناسُ فِيها، خاصّةً إذا عَلِمْتَ أنّ مِن أعْظَمِ آفاتِ هذا التحَزُّبِ والتفَرُّقِ انْعِزالَ هذهِ الجِماعاتِ عن جَسدِ الأمّةِ مِن جِهَةٍ، ومَكْرَ عَدُوِّ الدّينِ الذِي يُحاوِلُ عَزْلَ ما عِنْدَها من الحَقِّ عَن الأمّةِ من جِهَةٍ أُخْرَى، فإنّ هذا الحالَ أوْجَبَ عِندَ هذهِ الجَماعاتِ تَقْدِيمَ مَن لا يَسْتَحِقُّ التقْدِيمَ، وتَصَدُّرَ مَن لَيْسَ أهْلًا لِذلكَ ولا يَحِلُّ لَهُ التصَدّر، وتِلْكَ ثَمَرَةٌ حَتْمِيّةٌ لِمِثْلِ هذا الفِصامِ، ولذا ذكَرْتُ فِي غَيرِ هذا المَوضِعِ وُجُوبَ التَمَسُّكِ بِما كانَ عَلَيهِ السلَفُ الأولُ من التَسْمِيَةِ والانْتِسابِ؛ وحذرْتُ من التسمِياتِ المُحْدَثَةِ (كالسلَفِيّةِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت