الصفحة 39 من 207

-وَأَنْ لا يُوصَفَ بِهِ إلاّ مَن كانَ أهْلًا له، وإلاّ كانَ مِن مَدْحِ الرجُلِ بما لَيسَ فِيهِ، ويُخْشَى مَعَ ذلكَ أنْ يَكُونَ مِن بابِ الكَذِبِ المَنْهِيِّ عَنْهُ، معَ ما فِيهِ مِن التغْرِيرِ بالعامَّةِ والجُهالِ من المُسْلمينَ.

والظاهِرَةُ المذكُورَةُ فِي السؤالِ من الأُمُورِ التِي لا تُحْمَدُ؛ ولا تُحْمَدُ عَواقِبُها، وهيَ مظْهَرٌ من مَظاهِرِ التّعالُمِ المَقِيتِ الذِي يَغْزوا حَياتَنا العِلْمِيّةَ والثقافِيّةَ، وهِي مِن ثَمّ من عَلاماتِ النّقْصِ والضعْفِ فِي الأُمّةِ، فإنّ مُقْتَضَى كَثْرَةِ (العَلاّماتِ) فِيها أنْ يَكُونَ حالُها غَيرَ حالِها الذِي هِيَ عَلَيهِ!، أمّا مُخادَعَةُ النفْسِ والأُمّةِ بِمِثْلِ هذهِ الألقابِ فإنهُ من أعْظَمِ أسبابِ الغفلَةِ عنِ الحَقيقَةِ، ونَحْنُ بِحاجَةٍ شدِيدَةٍ إلَى الوقوفِ عَلى النقائصِ فِي حياتِنا لتَكْمِيلِها؛ لا إلى مَن يُغَرّرُ بِنا وبالمُسْلمينَ فُيُلْهِيهِمْ عن الأخْذِ بما يَتعَيّنُ علَيهِم من الأسْبابِ، ولأَنَّ الأمَّةَ بمَنْزِلَةِ الجَسدِ الواحِدِ لا تَتِمُّ رِعايَةُ كمالِ قُوّتِهِ العِلمِيّةِ والعَمَلِيّةِ إلا بِذلكَ.

ولَسْنا نَغْمِطُ بذلكَ حَقَّ ذِي الحَقِّ مِن أكابِرِ عُلَماءِ المُسْلمينَ أيّدَهُمُ اللهُ، لكِنَّ بَينَ غَمْطِ الحَقِّ والظاهِرَةِ المذكُورَةِ فِي السؤالِ واسِطَةً نَسْعَى إلَيْها هِيَ جادَّةُ الاعْتِدالِ، ولَيْسَ يَتِمُّ الوقُوفُ علَيْها إلا بِتَفْوِيضِ الأمْرِ إلَى أهْلِهِ، وسُكوتِ من لا يَعْلَمُ عِنْدَ حُدُودِ الأدَبِ والسؤالِ، والجِدّ والمثابَرَةِ فِي الطلَبِ، وإلاّ فقَدْ رأينا مَنْ يُنْعَتُ بهذهِ الألقابِ معَ فقْرِهِ فِي العِلْمِ علَى التحْقِيقِ، وإن خالَهُ العامّةُ وصِغارُ الطلابِ من الراسخِينَ فِيهِ، هذا مَعَ كَونِهِ مِمّنْ يُشارُ إلَيْهِمْ - عِنْدَ كَثِيرٍ من الشبابِ - بالبَنانِ!، فَكَيفَ بِمَنْ جَمَعَ إلَى ذلكَ جَهالَةَ العَيْنِ والحالِ؟!؛ وإلَى اللهِ عاقِبَةُ الأُمورِ.

وقدْ ورَدَ في الشرْعِ النهْيُ عن الغلُوِّ والتحْذيرُ منه؛ كما قال تعالى: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ} ؛ والغلوُّ تجاوزُ الحدِّ الذي حدَّهُ الشرعُ في الاعتِقاداتِ والأقْوالِ والأفعال، وهُو أَصلٌ لضلالِ كَثِيرٍ من الخَلْقِ؛ بلْ هُو الأصلُ فِي ضلالِ اليهودِ والنصارَى؛ وكثيرٌ مِمّن ضلَّ من طَوائفِ المسلمينَ إنّما وَقعَ فِي مُشابَهَةِ هاتَينِ الطائِفَتَينِ؛ فاليهودُ طُولِبُوا باتّباعِ التّوْراةِ ومَحَبّةِ رسولِهِم؛ فَجَاوَزُوهُ إلَى بُغْضِ الأنْبِياءِ والرسلِ ومَعاداتِهِم كما صَنعُوا معَ عِيسَى بن مَرْيَم عليهِ السلامُ ومَعَ مُحمّدٍ صلّى اللهُ علَيهِ وسلم!، وهكذا صَنَعَ طوائِفُ من المُسْلمينَ؛ طُولِبُوا باتّباعِ الكِتابِ والسنّةِ وأنْ يَسْأَلَ منْ كانَ لا يَعْلَمُ الذِي يَعْلَمُ؛ فَجاوَزُوا ذلكَ إلَى الطّعْنِ فِي أَهْلِ العلمِ؛ والتطاوُلِ علَى الأكابِرِ؛ والتنْقِيصِ من أَقْدارِهِم بحُجّةِ اتّباعِ الدليلِ وأنّهُم لا يُقَلّدونَ أحدًا!!، والنصارَى أُمروا باتّباعِ عِيسى علَيهِ السلامُ فجاوزُوا ذلكَ إلَى ادّعاءِ أُلُوهِيّتِهِ وأَنه ابنُ اللهِ؛ وكفروا بِمُحمدٍ صلّى اللهُ علَيهِ وسلم، وهكذا وَقعَ لطائِفَةٍ من المُسلمِينَ؛ أُمِرُوا بالرجوعِ إلَى أهْلِ العِلمِ وإنْزالِهِم مَنازِلَهُمْ؛ فجاوزُوا ذلكَ إلَى الغُلُو فِي المشايخِ وتعْظِيمِهِمْ؛ وادِّعاءِ أنهمْ أعلَمُ بالدينِ والشرعِ وأعْلمُ بِمُرادِ اللهِ تعالَى؛ فقلّدُوهُم فِيما جانَبَهُم فِيهِ الصوابُ ولاحَ الدلِيلُ علَى خِلافِهِ!.

واعْلَم أنكَ لَو تَتَبّعْتَ مَنْشأَ طوائفِ الضلالاتِ والبِدَعِ عَلَى مَرِّ التارِخِ الإسلامِيِّ لرأَيْتَ الغُلُوَّ فِي تَعْظِيمِ المَتْبُوعِ أَصْلًا مُشْتَرَكًا بَيْنَها!، ومَعَ ذلكَ فَقَلَّ مِن الناسِ مَن يَتّعِظُ أوْ يَعْتَبِرُ، ثُمَّ انْظُرْ إلَى ما تُشاهِدُهُ اليَوْمَ مِنَ تَشابُكِ الناسِ واخْتِلافِها - تَشابُكَ أصابِعِ اليَدَينِ؛ كما مَثّلَ لِذلكَ رسولُ اللهِ صلّى اللهُ علَيهِ وسلّمَ - تَرَ الانْتِصارَ للمُتْبُوعِ والتّمَحُّلَ لتَصْوِيبِ آرائِهِ وتَخْطِئَةِ المُخالِفِ نِهايَةَ إقْدامِ العُقُولِ!؛ وغايَةَ المطْلُوبِ والمأمُولِ!، فِتِلْكَ هِي السمَةُ الجامِعَةُ لأحْوالِ المُخْتَلِفِينَ، وقَلَّ مَن يَسْلَمُ مِنْهُم مِن ذلكَ، وقد قالَ علَيهِ الصلاةُ والسلامُ: الناسُ كإبِلٍ مائِةٍ؛ لا تكادُ تَجُدُ فِيها راحِلَةً!، وصدَقَ صلواتُ اللهِ وسلامُهُ علَيهِ؛ فإنَّنِى لَم أزَلْ مُنْذُ فَتَحَ اللهُ تعالَى عَلَيَّ وسلَكْتُ سَبيلَ طلبِ العلمِ أرْقُبُ أحوالَ الناسِ فِي ذلكَ، وكانَ من فَضْلِهِ علَيَّ أنْ عصَمَنِي مُنْذُ بِدايَتِي الأولَى مِما يَقَعُ فِيهِ الناسُ منَ التحَزُّبِ والانْتِماءِ؛ بل كَرَّهَ إلَيَّ ذلكَ ولَهُ الحَمدُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت