بسم الله الرحمنِ الرحيم
إطْلاقُ لفظِ: العَلاّمةِ؟.
وضِمْنَ الفَتْوى سرُّ نجاحِ الدعواتِ أو فَشلِها
رقمُ الفتوى: 3/ 10/ 7314
وسُئلَ عن انتشارِ اطلاقِ لفظِ العلاّمَةِ وشيوعِهِ بينَ الطلبَةِ، حتّى صارَ يُوصَفُ بِهِ المُبْتَدِئُ فِي الطلَبِ؛ وَمَنْ لا يُعرَفُ حالُهُ فِي العلم؟.
فأجاب:
الحمدُ لله؛ وبعد:
فهذا اللفظُ يُرادُ بهِ المُبالَغَةُ فِي وَصْفِ الرجُلِ بالعِلم؛ تَقولُ: عَلاّمٌ؛ فِي الرجُلِ الكَثيرِ العِلمِ؛ فإذا أردتَ تأكيدَ المُبالغَةِ زِدْتَ التاءَ فِي آخِرِهِ فَقُلْتَ: عَلاّمَةً، وإنّما شاعَ استِخْدامُهُ في القَرْنِ الرابعِ الهِجْرِي فَما بَعْدَهُ، كما وصَفَ بهِ الخَطِيبُ فِي تاريخِ بغْدادَ الزبيرَ بنَ بكّارٍ، وأبا عُبَيدَةَ معمرَ بن المُثنّى البصرِي النحْويّ، والشّرْقِيّ ينَ القَطامِيِّ فِيما نَقَلَهُ عن أبِي الحَسنِ الدارَقطْنِي، ومِن أكْثَرِ من رأَيتُهُ يَستَعْمِلُهُ الذهَبِيُّ فِي سِيَرِ أعلامِ النبلاءِ وغَيرِهِ من كُتُبِهِ، والحافظُ ابن حجرٍ في الدرر الكامِنَةِ وغِيرها، والسيوطِيُّ؛ وغيرُهُم من المَتأخرينَ، وإلا فلا تَكادُ تَجِدُهُ مُستَخْدَمًا بينَ العلماءِ في القرونِ الثلاثَةِ الأولَى، والله أعلم.
نَعَم؛ لَيسَ فِي الشرْعِ ما يَمْنَعُ مِن اسْتِعْمالِهِ، فإنهُ فِي مَعْنى قولِهم: الإمامُ؛ والحَبْرُ؛ ونحوُها من الألفاظِ التِي تَعْنِي رُسوخَ المُوصوفِ بِها فِي العِلمِ، والراسخُ فِي العِلْمِ هُو: من تَمَكّنَ في عِلمِ الكتابِ والسنّةِ، وعَرَفَ مَحامِلَ الأدِلّةِ، وأحْسَنَ مَواقِعَ تاوِيلِها؛ واطّلعَ علَى دَقائقِ الاستِدْلالِ والاسْتِنباطِ؛ وقامَ عِنْدَهُ من البراهِينِ ما يُرْشدُهُ إلَى مُرادِ اللهِ تعالَى، فَلا تُضلّلُهُ الشبهُ ولا تتطَرّقُ إلَيهِ الأخطاءُ غالِبًا، فَهَذا هُو الذِي يَصِحُّ أن يُقالَ عَنهُ: الإمامُ؛ والعَلامَةُ؛ والحَبْرُ؛ وشَيخُ الإسلامِ؛ وفَقِيهُ زَمانِهِ؛ ونَحْوُها مِن الألْفاظِ التِي تَدُلُّ علَى عُلُوِّ الرتْبَةِ فِي العِلمِ، ولذا تَرى الذهَبِيّ ينْعَتُ بِهِ أبا الأسْودِ الدؤَلِيَّ القاضِيَ المشهُورَ الذِي يُنْسَبُ إلَيهِ وَضْعُ أصولِ النحوِ، وأبا زُهَيرٍ الحارِثَ الأعورَ صاحِبَ عَليٍّ وابنِ مَسعُودٍ رضي اللهُ عنهما، وأبا عِيسى عبدَ الرحمنِ بنَ أبِي لِيلَى الأنصارِيَّ الكوفِيَّ؛ وأبا سليمانَ يحيى بنَ يَعْمُرَ المُقْرِئَ البصرِيّ؛ وأبا بُرْدةَ بنَ أبِي موسَى الأشعَرِيّ قاضِيَ الكوفَةِ؛ وأميرَ المؤمِنينَ عُمَرَ بنَ عَبدِ العَزِيزِ القرشيَّ الأمويَّ، وأبا واثلَةَ إياسَ بنَ مُعاوِيَةَ قاضِيَ البَصْرَةِ، وحمادَ بنَ أبي سليمانَ فَقِيهَ العراقِ، وأضرابَهَمْ مِن أكابِرِ العلَماءِ فِي عُصُورِ الإسلامِ المُخْتَلِفَةِ رَحِمَ اللهُ الجميع.
ولا بُدَّ أنْ يُراعَى فِي إطْلاقِهِ أَمْرانِ:
-صُدُورُهُ عَنْ مُؤَهَّلٍ للحُكْمِ بِهِ، فإنّهُ فِي مَعَنَى التعْدِيلِ فِي الجُمْلَةِ، والجَرْحُ والتعْدِيلُ إنّما يُعْتَبَرُ فِيهما قَولُ العالِمِ فَحَسْبُ، أما الجاهِلُ فَلا عِبْرَةَ بِجَرْحِهِ ولا تَعْدِيلِهِ، وإنما قلتُ إنه في مَعْنَى التعدِيل في الجُمْلَةِ لأَنّهُ المُتبادِرُ إلَى الذهْنِ عِنْدَ إطلاقِهِ علَى عالمٍ من عُلماءِ المسلمينَ، ولأنّهُ قَدْ يُوصَفُ بِهِ الرجُلُ ولَيسَ عَدْلًا؛ كما دَرَجَ بَعْضُ المُتأخّرِينَ علَى إطْلاقِهِ علَى بَعْضِ عُلماءِ الغَرْبِ فِي فُنونٍ مُخْتَلِفَةِ.