الصفحة 42 من 207

-ارْتِباطُِها بالأُمَّةِ ارْتِباطَ الولِيدِ بالوالِدَةِ، وقدْ قلْنا لكَ فِي مواطِنَ عِدَّةٍ: إن سِياسَةَ الأُمَمِ مَقِيسةٌ علَى سِياسَةِ الفَردِ، فاعْتَبِرْ كُلَّ ما يُحْتاجُ إلَيهِ فِي صِلَةِ الدعْوَةِ بالأمَّةِ بِما يُحْتاجُ إلَيْهِ فِي الصّلَةِ بَينَ الأمِّ والأبْناءِ، وَاشْدُدْ علَى هذهِ الفائدَةِ يَدَيكَ.

-والثانِي: أن يَتَصَدَّرَها الضلِيعُونَ فِي العِلْمِ؛ والعِلْمُ الذِي نَعْنِيهِ أعَمُّ مِما اصْطَلَحَ الناسُ علَى تَسْمِيَتِهِ بالعُلُومِ الدِينِيّةِ، فإنْ لَم تَكُنْ مِن الزّهادِ في العِلمِ والمعرِفَةِ؛ وشِئْتَ الوُقوفَ علَى مُهِمّاتٍ مِما يُحتاجُ إلَيهِ فِي هذا البابِ فاقرأ ما كَتَبْناهُ فِي مَجالِسِ (أسمار) ، فإنّما قَصْدَنا بِها تَقْرِيرَ الوِئامِ بَينَ الدينِ والدنيا علَى الوَجْهِ الذي يَرْتَضِيهِ الشرْعُ، وأن التفْرِيقَ بَينَ عُلُومِ الدينِ والدنْيا حادِثٌ مُبْتَدَعٌ، وأن كُلَّ عِلْمٍ يُفْضِي إلَى خِدْمَةِ مَصالِحِ الآخَرَةِ هُو مِن علُومِ الشرْعِ وإن اصطلحَ الناسُ علَى تَسميتَهِ دُنْيَويًا، وبهِ تَعْلَمُ المرادَ بِشَرطِنا هذا، وأنّنا حِينَ نُوقِفُ نَجاحَ الدعْوَةِ علَى تَصدُّرِ الضليعِينَ فِي العِلمِ نَعْنِي بِهِ مَن يَحْصلُ بِمَجْمُوعِهِم القُدْرَةُ علَى الاجْتِهادِ فِي السياسةِ الشرْعِيّةِ وما يَطْرأُ من النوازِلِ المُعاصِرَةِ، خاصّةً وأنّ فِقْهَ الدعْوَةِ إلَى اللهِ وفِقْهَ السعْي فِي التمْكِينِ كِلاهُما كَفِقْهِ الجِهادِ؛ وفِقْهُ الثلاثِةِ فِقْهُ مَصْلَحِيٌّ فِي كَثِيرٍ من جَوانِبهِ، ومِثْلُ هَذا لا يَقُومُ بِهِ ما نَراهُ من ضَعْفٍ فِي العِلْمٍ والتَحصِيلِ؛ وذُهُولٍ عن تَقْدِيرِ المصالِحِ حَقَّ قَدْرِها؛ ووقُوفٍ عِنْدَ عُموماتِ الأدِلّةِ التِي لا يَعْجَزُ عن الوقوفِ عِندَها المُبْتَدِئونَ من الطلابِ، وتَشبُّعِ الطائفَةِ والجماعَةِ بِما لا تَمْلِكُ!، فإنّ الأمْرَ بالحَقِيقَةِ لا الدّعْوى، والصدْقُ معَ النفْسِ شرطُ طَلَبِها للكَمالِ، وذلكَ منْ بَعْدُ سِرُّ توفِيقِها ونَجاحِها، ومَن أرادَ بُرْهانًا عَملِيًّا علَى صِحّةِ هذِينِ الشرْطَينِ فِي نَجاحِ الدّعَواتِ فَلينْظُرْ فِي تارِيخِ مَدْرَسَةِ ودَعْوَةِ شيخِ الإسلامِ ابنِ تَيمِيَةَ وتلامِذتِهِ فِي بلادِ الشامِ، وفِي دَعْوةِ الشيخِ مُحمدٍ بن عبدِ الوهابِ وتلامذتِهِ فِي نجْدٍ، وفِي دَعْوَةِ الشاهِ ولِي اللهِ الدهْلَوِيِّ وتَلامِذَتِهِ التِي تُعَدُّ الأساسَ لانِتشارِ مَذهَبِ أهلِ الحدِيثِ في الهِنْدِ؛ إلَى دَعْوَةِ السيدِ مُحمد عِرفانِ الشهِيدِ وتلامِذتِهِ؛ وهِي امتدادٌ لتلكَ، وغيرها من الدعَواتِ كَثِير، وإنما اقْتَصَرْتُ علَى ذِكْرِ هذهِ الدعَواتِ لأنّها المرْجِعُ المُعْتَمَدُ عِنْدَ كَثِيرٍ من الجماعاتِ عُمومًا؛ وفي ساحات الجهاد خصوصا، ولأنّها جَمَعتْ بَينَ الجهادِ والعِلْمِ وهُو الذِي نَحْتاجُ إلَيهِ وأنْ نَحْذُو حَذْوه، ومِن ثَمّ فَكلُّ دَعْوَةٍ - والجهادُ من الدّعْوة - لَم تُؤتِ ثِمارَها المرْجُوّةَ مِنْها فإنّ ذلكَ راجِعٌ إلى القصورِ فِي أحدِ هذينِ الأصلَينِ.

والرجُلُ قَدْ يَكُونُ لَهُ جُهْدٌ مَحْمُودٌ فِي الدّعْوَةِ إلَى اللهِ؛ أو الجِهادِ فِي سَبيلِهِ؛ أو لَهُ اخْتِصاصٌ بِبَابٍ مِن أبوابِ العِلْمِ وبَحْثِ مسائلِهِ؛ وقَدْ يُصنفُ ويكْتُبُ فِي هذا أو ذاكَ؛ فَيَسْتَحِق الثّناءَ علَيْهِ؛ ويُذكَرُ لَهُ فَضْلُهُ فِيهِ؛ ويَسْتَوْجِبُ الجَمِيلَ بِسَبْقِهِ إلَيْهِ، لكنّهُ معَ ذلكَ لا يَجُوزُ الغُلُو فِيهِ؛ ولا وَصْفُهُ بِما ليَسَ هُو أهْلًا لَهُ لما قَدّمْناهُ، والخَيرُ كُلّ الخَيرِ فِي التوسطِ والاعْتِدالِ.

والله أعلمُ سُبحانَهُ؛ وصلى اللهُ علَى مُحمدٍ وعلَى آلِهِ وصحبِهِ وسلّمَ.

كانَ اللهُ له

خادم العلم وأهله

أَبُو الولِيدِ الغزي الأنصاري

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت