هُوَ الكافِرَ، وَإِنْ كانَ بِتَاوِيلٍ؛ نُظِرَ، إِنْ كانَ غَيْرَ سَائِغٍ اسْتَحَقَّ الذّمَّ أَيْضًا، وَلاَ يَصِلُ إِلَى الكُفْرِ، بَلْ يُبَيَّنُ لَهُ وَجْهُ خَطَئِهِ وَيُزْجَرُ بِمَا يَلِيقُ بِهِ. انتهى.
وقالَ ابنُ رُشْدٍ فِي البَيانِ والتحْصِيلِ: فَمَنْ نَظَرَ العِلْمَ وَضَعُفَ عَنْ حَمْلِهِ عَلَى وَجْهِهِ؛ وَأَفْتَى الناسَ بِتَاوِيلِهِ إِيّاهُ عَلَى غَيْرِ وَجْهِهِ؛ يُخْشَى أَنْ لاَ يَقُومَ مَا عَلَيهِ مِنَ الوِزْرِ فِي ذَلكَ بِمَا لَهُ مِنَ الأَجْرِ وَالثَّوَابِ فِي صَلاتِهِ وَصِيامِهِ وَعِبَادَتِهِ. انتهى.
فإنْ كانَ التَكْفِيرُ أو الجَرحُ بالفسق والبدعَةِ عامًا لِطائِفَةٍ مِن المُسْلِمينَ؛ كانَ أعْظَمَ إثْمًا.
فَإنْ كانَ لِمَنْ خَصَّهُ اللهُ تَعالَى بِمَزِيدِ حُرْمَةٍ مِن أَهْلِ العِلْمِ والفَضْلِ انْضافَ إلَى ذلكَ إِثْمٌ رابِعٌ، لأَنَّهُ إِهانَةٌ لِما عَظَّمَهُ اللهُ تعالَى وأَمَرَ بِتَعْظِيمِهِ، نَسألُ اللهَ السلامَةَ والعافِيةَ.
وأمّا السّبابُ بِمُسْتَفْبَحِ الأَلْفاظِ ومُسْتَهْجَنِ العِبارَاتِ فَإصْرٌ آخَرُ يَحْمِلُ المَذكُورُونَ وِزْرَهُ، وقَدْ حَكَمَتِ السنُّةُ عَلى مَن سَبَّ المُسْلِمَ بِغَيرِ حَقٍّ بالفِسْقِ، وإذا كانَ مِن العُلَماءِ مَن عَدَّ ضَرْبَ المُسْلِمِ بِغَيرِ حَقٍّ مِن الكَبائرِ كما صَنَعَ السبُكِيُّ فِي جَمْعِ الجَوامِعِ تَبَعًا لإِمامِ الحَرَمَينِ؛ فَإنَّ التّجْرِيحَ بالسّبِّ والتَنْقِيصِ أولَى أنْ يَكُونَ كَبِيرَةً إِذَنْ؛ لأَنَّ جَرْحَ الأَعْراضِ أعْظَمُ مِن جَرْحِ الأبْدانِ، والإنْسانُ قَدْ يُثْخَنُ جَسَدُهُ بالجِراحِ ولا يُبالِي!، فإنْ مَسّ صَفاءَ عِرْضِهِ شَيءٌ لَمْ يَصْبر!!.
قالَ خادِمُ العِلمِ أبُو الوَلِيد: إنّا للهِ وإنّا إلَيهِ راجِعُونَ، كانَتِ الشكْوَى إلَى اللهِ تَعالَى مِن (أَبِي شِبْرٍ) !؛ وحَسِبْنا دَهْرًا أنّنا صِرْنا إلَى (أَبِي عُقْلَةٍ) - تَعْنِي: عُقْلَةَ الأُصْبعِ -!!؛ فإِذا بِبَلْوَانا تَنْتَهِي إلَى (أَبِي قُلامَةَ) - تَعْنِي: قُلامَةَ الظُّفْر!!! - قَدْ مَسّنِي واللهِ مِمّا عِلِمْتُهُ مِن حالِ هؤلاءِ المُتَعالِمِينَ؛ وما طالَعْتُهُ مِن صَنَائِعِهِمْ فِي (المُنْتَدَياتِ) ما مَلأَ نَفْسِي حَسْرَةً وألَمًا، وقَدْ داخَلَنِي مِن الهَمِّ لأجْلِ ذلكَ ما لا يَسَعُنِي فِي هَذهِ العُجالَةِ شَرْحُ أسْبابِهِ، فَإنْ كُنْتَ مِمَّنْ يَفْطُنُ لِما وَراءَ الكَلِماتِ؛ فَحَسْبُكَ الآنَ أنْ تَعْلَمَ أنّ ذلكَ مِن أعْظَمِ ما يَحُولُ بَيْنَ الأُمّةِ وبَيْنَ ما بُلُوغِ ما تامُلُ، وللهِ عاقِبَةُ الأمُور.
لَقَدْ بِتُّ واللهِ فِي وَجَلٍ مِن انْتِشارِ هَذِهِ الظاهِرِةِ؛ ظاهِرَةِ التّعالُمِ، حَتّى خَشِيتُ عَلى نَفْسِي مِن أنْ يَنالَنِي شَيءٌ مِن ذلكَ؛ ولَوْ مِن حَيْثُ لا أَدْرِي، فَأعْوذُ بِعَظَمِةِ اللهِ وقُدْرَتِهِ مِن شَرِّ ما أَجِدُ وأُحاذِرُ، وأسْألُهُ العَفْوَ والغُفْرانَ، وأنْ يُجَنّبَنا وإياكَ وسائرَ طُلابِ العِلْمِ مُضِلاّتِ الفِتَنِ، فإنَّ ذَنْبًا يُقْدِمُ عَلَيهِ المَرْءُ ولا يُلْقِي لَهُ بَالًا!!؛ يَجْمَعُ ثَلاثَ كَبائرَ مِن الذُّنُوبِ! لعَظِيمٌ، فَكَيفَ وهُو شائعٌ مُنْتَشِرٌ؟!؛ بلْ كَيفَ وَلازِمُهُ تَفْرِيقُ الأُمَّةِ؛ وبَعْثَرَةُ الجُهُودِ؛ والجِنايَةُ عَلى الأكابِرِ؛ والانْصِرافُ عَن أُمّاتِ المُقاصِدِ؛ وفَتْحُ المََنافِذِ للعَدُوِّ؟!.
فَمَنِ ابْتُلِيَ بِشَيءٍ مِن هَذا؛ فإنْ كانَ ما يَحْمِلُهُ عَلَيهِ الغَيرَةَ عَلى الدّينِ؛ فَعَسَى هَذا الذِي حَكَيْناهُ أنْ يَكُونَ زَاجِرَ نَصِيحَةٍ ونَذيرَ عِظَةٍ؛ فَيَكُفَّهُ عَمّا لا يَحِلُّ لَهُ؛ ويَرُدَّهُ إلَى الجادَّةِ التِي يَتَعَيَّنُ سُلُُوكُها عَلى كُلِّ طالِبٍ عِلْمٍ يُرِيدُ بِطَلَبِهِ الدارَ الآخَرَةَ، وهِيَ أخْذُ العِلْمِ عَن أهْلِهِ؛ وُمُلازَمَتُهُم حَتّى يَأنْسَ مِن نَفْسِهِ اشْتِدادَ العُودِ والتأَهُّلَ لِتَعْلِيمِهِ ونَشْرِهِ، وَ يَشْهَدَ لَهُ بِهِ الشيُوخُ والأكابرُ.