فَإنْ أبَى مَعَ ذلكَ كُلِّهِ إلاّ أنْ يَرْكَبَ مَرْكَبَ العِنادِ؛ ويُطاوِلَ بِجَهْلِهِ الرّواسِيَ الأَوْتادَ؛ فَذلكَ الذِي سَمَّى رَسُولُ اللهِ صلّى اللهُ عَلَيهِ وسلمَ: - رُؤُوسًا جُهّالًا؛ فَافْتَوْا بِغَيرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وأَضَلُّوا - فاحْذَرْ، فَإنْ أَشْكَلَ عَلَيْكَ مِن الأَمْرِ شَيءٌ فإنْ كُنْتَ أهْلًا لِرَدِّهِ إلَى كِتابِ اللهِ وسُنَّةِ رَسولِهِ صلّى اللهُ علَيهِ وسلّمَ بِما آتاكَ اللهُ من العِلْمِ؛ فأَنْتَ وذاك، وإلاّ فَسَلْ عَنْهُ مَن تَثِقُ بِدِينِهِ وعِلْمِهِ يَظْهَرْ لَكَ الخالِصُ مِن البَهْرَجِ؛ فإنَّ العِلْمَ فَضّاحٌ لِغَيرِ أهْلِهِ، ومَن ادّعَى ما لَيْسَ لَهُ فَضَحَتْهُ شَواهِدُ الامْتِحانِ.
وأَمّا قَولُ القائلِ: إِنَّهُ لا يُقَلِّدُ أَحَدًا؛ وإنّما ياخُذُ بالكِتابِ والسُّنّةِ؛ فَهَذا إِنّما يَصِحُّ مِمَّنْ لَهُ باعٌ فِيهِما، وقَدْ مَلَكَ مِن آلَةِ العِلْمِ ما يُؤَهّلُهُ للأخْذِ عَنْهُما، وهَذا لا يَقَعُ للطالِبِ إِلاَّ مَعَ المُثابَرَةِ علَى التحْصِيلِ؛ والجِدِّ فِي الطلَبِ؛ والتّمَرُّسِ بالأساتِذَةِ والشيُوخِ، ومِن المَشْهُورِ قَوْلُهُم: حَضانَةُ العِلْمِ عِشُرُونَ، يَعْنُونَ بِها عِشْرِينَ عامًا، ويَزِيدُ اللهُ مَنْ شاءَ ما شاءَ؛ وفَوقَ كُلِّ ذي عِلْمٍ عَلٍيمٌ، وتأمّلْ قَوْلَ اللهِ تعالَى لِنَبِيّهِ عَلَيهِ الصلاةُ والسلامُ: {وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا} ، فإنَّ فِيهِ الدَّلاَلَةَ علَى مِفْتاحِ الطلَبِ، وهُو الأناةُ وتَرْكُ التّعَجُّلِ الناشئِ عَن اسْتِبْطاءِ حُصُولِ العِلْمِ؛ لأنّ اللهَ تعالَى جَعَلَ لِكُلِّ شَيءٍ فِي هَذهِ الحَياةِ سَبَبًا؛ والتّدَرُّجُ فِي تَحْصِيلِ المُطْلُوبِ سُنَّةٌ كَوْنِيَّةٌ لا مَناصَ مِن الأخْذِ بِها فِي هذِهِ الدنيا؛ ومِن ذلكَ العِلْمُ، ثُمَّ أمَرَهُ بِسُؤالِ المَزِيدِ مِنْهُ للإشارَةِ إلَى أنّ المَنْهِيَّ عَنْهُ استِعْجالٌ مَخْصُوصٌ، وهُو استِعْجالُ الشيءِ قَبْلَ حِينِهِ وأَوانِهِ؛ أو الاستِعْجالُ الذِي يَفُوتُ مَعَهُ حَصُولُ الثّمَرَةِ المُطْلُوبَةِ والغايَةِ المَرْجُوَّةِ، وإنْ كانَ باعِثُ الاسْتِعْجالِ فِي الأصْلِ مُحْمودًا، وهذا المَعْنَى أوْضَحُ عَلى قَولِ مَنْ قالَ مِن المفسّرِينَ إنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: {وَقْلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا} ؛ أي: فَهْمًا، والفَهْمُ فِي العِلْمِ هُوَ غايَةُ العِلْمِ؛ ولِذا كانَ مِن شانِهِ أنْ لا يَقَعَ للمَرْءِ إلاّ بِمُقَدِّماتٍ تُكْتَسَبُ؛ والغايَةُ لا تُدْرَكُ إلاّ شَيئًا بَعْدَ شَيءٍ، وقَدْ بَوَّبَ البخارِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: بابَُ الفَهْمِ فِي العِلْمِ، وذكَرَ فِيهِ حَدِيثَ تَشبِيهِ المًسلِمِ بالنخْلَةِ، يُرِيدُ بِذلكَ التحْرِيضَ عَلَى طَلَبِ المَزِيدِ مِنَ الفَهْمِ فِي العِلْمِ؛ فإنَّ العَبْدَ لا يَنْتَهِي قَطُّ إلَى حالَةٍ يَسْتَغْنِي فِيها عَن التعَلُّمِ.
أمّا أنْ يتَصَدَّرَ لِذلكَ مِن لا يُقِيمُ إعْرابَ جُمْلَةٍ واحِدَةٍ!؛ وحَظُّهُ مِن العَرَبِيَّةِ كَحَظِّ الصّينِيِّنَ الأقْحاحِ مِنْها!، بلْ ولا يُحْسِنُ الكِتابَةَ والإمْلاءَ أيْضًا - كَما رَأيْتُ مِن بَعْضِهِم - ثُمَّ هُو يَسْتَدِلُّ!؛ ويُقَعِّدُ الأُصُولَ!؛ ويَبْنِي الفُرُوعَ!، فَمِثْلُ هَذا حَقُّهُ التّعْزِيرُ بالهَجْرِ؛ فإنْ لَمْ يَرْدَعْهُ ذلكَ تَعَيَّنَ الحَجْرُ، والحَجْرُ عَلى المُفْتِي الماجِنِ - وقَدْ فُسّرَ بالجاهِلِ - مِما قالَ بِهِ الأئمّةُ مِن الحَنَفِيّةِ والمالِكِيّةِ وغَيرِهِم رَحِمهم الله.
وإنّما الواجِبُ علَى مَن لا يَعْلَمُ السؤالُ؛ كما قالَ تعالَى: {فَاسْئَلُوا أهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ َتَعْلَمُونَ} ؛ ولَيْسَ سُؤالُ العالِمِ مِن التّقْلِيدِ علَى الحَقِيقَةِ؛ لأَنَّهُ إِنّما يَسْأَلُهُ عَن حُكْمِ الشرْعِ فِي النازِلَةِ التِي تَعْرِضُ لَهُ؛ لا عَن رَايِهِ فِيها؛ وحَقِيقَةُ التَقْلِيدِ قُبُولُ قَوْلِ القائلِ بِلا حُجَّةٍ.
وفَّقَكُمُ اللهُ إلَى ما يُحِبُّهُ ويَرْضاهُ، وأصْلَحَ أحْوالَ أبْناءِ المُسْلمِينَ وشَبابَهُمْ، وهدَانا وإياكم إلَى التِي هِيَ أقْوَمُ؛ وصَلّى اللهُ علَى مُحَمّدٍ وعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وسلمَ. والحمدُ للهِ رَب العالَمينَ.
والسلامُ عَلَيكُم ورَحْمَةُ اللهِ وبَركاتُهُ.