الصفحة 34 من 207

وهذا الطالِبُ المَذْكُورُ وأمْثالُهُ كَثِيرٌ - وقَدْ رَأَيتُ كَثِيرينَ عَلَى هَذهِ الشاكِلَةِ - لا تَحِلُّ لَهُمُ الفَتْوَى فِي شَيءٍ مِن مَسائلِ الشرْعِ إلاَّ بِعِلْمٍ؛ وأَيُّ عِلْمٍ يُمْكِنُ للطالِبِ أنْ يُحَصِّلَهُ فِي مِثْلِ هذهِ المُدَّةِ المَذكُورَةِ يُؤَهِّلُهُ للفَتْوَى فِي المسائلِ المَشْهُورَةِ التِي تَكْثُرُ الحاجَةُ إلَيْها؛ كالطهاراتِ ونَحْوِها؛ فَضْلًا عَمّا ذكَرْتَ مِن المَسائلِ التِي تَشُقُّ عَلَى الأكابِرِ مِن العُلَماءِ؟!.

وقَدْ كانَتْ عادَةُ السلَفِ أنْ لا يتَصَدَّرَ الطالِبُ للفَتْوَى إلا بَعْدَ الفَراغِ مِن الدرْسِ وإجازَةِ العُلَماءِ لَهُ بِذلكَ، وعَلَى هَذا جَرَى عَمَلُ الأُمَّةِ مِن لَدُنْ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وسلَّمَ إلَى يَوْمِنا هَذا، وقَدْ كُنّا قَبْلَ مُدَّةٍ نَعُدُّ مِن مَظاهِرِ التّعالُمِ - تَبَعًا لِبَعْضِ العُلماءِ - الشّهاداتِ التِي تُمْنَحُ لِكَثِيرِينَ مِن خِرِّيجِي الجامِعاتِ والكُلِّياتِ الشرْعِيَّةِ لما فِي أَبْحاثِهِم مِن ضَعْفِ التّحْصِيلِ وَزَهِيدِ المَعْرِفَةٍ، فَإذا بِنَا أمامَ داءٍ عَصِيٍّ عِلاجُهُ!؛ يَتَغَلْغَلُ فِي كُلِّ ناحِيَةٍ؛ ويَتَسَرّبُ إلَى كُلِّ مَنْسِمٍ (طريق) ، ويَكادُ لِكَثْرَتِهِ يَحْجِبُ عَن طالِبِ الحقّ نُورَ العِلْمِ كما يَحْجِبُ الجَرادُ ضَوْءَ الشمْسَ!، نَشْءٍ مِن الأحْداثِ لا يَعْرِفُونَ مِنَ العِلْمِ إلا التطاوُلَ عَلَى الأكابِرِ!؛ وإلاَّ إِضاعَةَ بِضَاعَةِ الأَدَبِ!؛ فَلا حَظَّ لأَهْلِ الإسلامِ مِنْهُمْ إلاَّ التكْفِيرَ والتَبْدِيعَ والتَفْسِيقَ!؛ وللناصِحِ إِلاَّ فُحْشَ القَوْلِ وَغِلْظَةَ العِبارَةِ!، ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلاَّ باللهِ.

وهذا الصنِيعُ مِنْهُمْ مُلْتَقَى آثَامٍ؛ وجُمَّاعُ حَرامٍ:

فَأما الفَتْوى مِن غَيرِ أهْلِها: فَقَولٌ علَى اللهِ تعالَى بِغَيرِ عِلْمٍ، وقَدْ بَيّنَ الكتابُ الكَرِيمُ أنّها مِن أعْظَمِ مكايِدِ الشيطانِ بالعَبْدِ؛ كما قالَ تعالَى: {إِنَّمَا يَامُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} ؛ ويَدْخُلُ فِي ذلكَ دُخُولًا أَوَّلِيًّا المُجازَفَةُ بالتحْلِيلِ والتحْرِيمِ؛ وأَوْلَى مِنْهُ دُخُولًا فِي حُكْمِها الرمْيُ بالكُفْرِ والفِسْقِ والبِدْعَةِ؛ فَإنَّ كُلَّ ذلكَ إباحَةٌ لما جَعَلَ الشارِعُ الأَصْلَ فِيهِ الحُرْمَةَ مِن دِماءِ المُسلمينَ وأعْراضِهِم وأمْوالِهِم، وفِي الآيَةِ الثالِثَةِ والثَلاثِينَ مِن سُورَةِ الأعْرافِ ذكْرٌ للمُحَرَّماتِ بَدْءًا بالغَلِيظِ فالأغْلَظِ؛ فَذكَرَ الفَواحِشَ؛ فالإثْمَ والبَغْيَ بِغَيرِ الحَقِّ؛ فالشركَ باللهِ تعالَى؛ وخَتَمَ بالقَولِ عَلَى اللهِ بِغَيرِ عِلْمٍ؛ لأنَّ هَذا الآخِيرَ عِلَّةٌ لِجِمْيعِ ما تَقَدَّمَهُ كما قالَ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ، فَظَهَرَ بِهَذا التّقْريرِ أنَّ الفَتْوى من غَيرِ المُؤَهَّلِ لا منَ الكَبائرِ فَحَسْبُ بلْ مِن أكْبَرِ الكَبائرِ نَسألُ اللهُ تعالَى السلامَةَ والعافِية.

وأَمَّا التّكْفِيرُ والتّفْسيقُ والتَبْدِيعُ الذِي يَتَطاوَلُ إلَيهِ هَؤلاءِ الجَهَلَةُ فَذَنْبٌ آخَرُ، وفِي الصحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما من حدِيثِ عَبْدِ اللهِ بِنِ عُمَر وَثابِتِ بن الضحّاكِ وغَيرِهِ مَرْفوعا: ومَنْ رَمَى مُؤْمِنًا بِكُفْرٍ فَهُوَ كَقَتْلِهِ، وهُو لَفظُ حَدِيثِ ثابِتٍ رَضِيَ اللهُ عنه، نَعَمْ حَمَلَهُ العُلَماءُ عَلى مَن كَفَّرَ المُسْلِمَ بِغَيرِ تأوِيلٍ، كما تَرْجَمَ لهُ البخارِيُّ بِقَوْلِهِ: بابُ مَن كَفَّرَ أخاهُ بِغَيرِ تاوِيلٍ فَهُو كما قالَ، لكِنَّ المََعْذُورَ هُنا هُوَ مَن اجْتَهَدَ عَن عِلْمٍ فأَخْطأَ، لا مَنْ أخْطأَ فَتَطَاوَلَ فاجْتَهَدَ!، قالَ الحافِظُ رَحِمَهُ اللهُ: كُلُّ مُتَأَوِّلٍ مَعْذُورٍ بِتَاوِيلِهِ لَيْسَ بآثِمٍ إِذَا كَانَ تَاوِيلُهُ سائِغًا فِي لِسَانٍ العَرَبِ وَكَانَ لَهُ وَجْهٌ فِي العِلْمِ. انتهى. أمَّا حَلَيفُ الجَهْلِ صَرِيعُ التّعالُمِ فَما لَهُ ولِلِسانِ العَرَبِ؛ وما لَهُ وللعِلْمِ؟!، فَهَذا وإنْ أصابَ لَمْ يَسْلَمْ مِن الإثْمِ؛ إِذْ عِلّةُ السلامَةِ مِن الإثْمِ وهِيَ العِلْمُ مَفْقُودَةٌ أصْلًا، ولِذا كانَتْ جُرْأَةُ هَؤلاءِ الجَهَلَةِ علَى التَكْفِيرِ كَبِيرَةً ثانِيةً؛ لأنَّ الشارِعَ سَوَّى بَينَ رَمْيِ المُؤمِن بالكُفْرِ وبَينَ قَتْلِهِ، فَهاتانِ كَبِيرتانِ.

وقَوْلُ البُخارِيِّ فِي تَرْجَمَةِ البابِ الذِي يَلِيهِ: بابُ مَنْ لَمْ يَرَ إِكْفَارَ مَنْ قَالَ ذَلكَ مُتَأَوِّلًا أَوْ جَاهِلًا، يَعْنِي بِهِ أنَّ مَن كَفَّرَ المُؤمِنَ جَهْلًا لا يُكَفَّرُ، وهذا لا يَنْفِي الإِثْمَ واسْتِحْقاقَ الذَّمِّ؛ قالَ الحافِظُ: إِنْ كانَ بِغَيْرِ تَاوِيلٍ اسْتَحَقَّ الذّمّ؛ وَرُبَّمَا كَانَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت