الصفحة 33 من 207

بِسْمِ اللهِ الرحْمَن الرحِيم

فِي أَنَّ الفَتْوَى مِن غَيرِ المُؤَهَّلِ مِن الكَبائر.

(لا مانعَ مِن تَداوُلِها دُونَ تَصَرُّفٍ)

رَقَمُ الفَتْوى: 3/ 9/1631

وَكَتَبَ إِلَيهِ سائلٌ يَقُولُ: السلامُ عَلَيكُمْ ... ؛ يَنْتَشِرُ فِي هَذِهِ الأَيامِ بَيْنَ الشبابِ الخَوْضُ فِي كَثِيرٍ مِن مسائلِ الشرْعِ وأحْكامِهِ؛ سواءٌ بالحَدِيثِ فِي المَجالِسِ؛ أو الكِتابَةِ فِي (الإنْتَرْنِت) ، والغالِبُ عَلَى مَن يَتَكَلَّمُ فِي ذلكَ أَنَّهُمْ مِن العامَّةِ أوْ مِن صِغارِ الطّلَبِةِ، وقَدْ سَمِعْتُ بَعْضَهُمْ يَتَكَلَّمُ فِي أَحَدِ المَجالِسِ فِي التكْفِيرِ والعُذْرِ بالجَهْلِ؛ وقَدْ تَطاوَلَ عَلى بَعْضِ العُلماءِ بِكَلامٍ أنْكَرْتُهُ عَلَيهِ، وقُلْتُ: لَهُ مِثْلُ هَذِهِ المَسائلِ يَنْبَغِي أنْ يُرْجَعَ فِيها إلَى العُلَماءِ، ولَمّا سَألْتُهُ عَمّا حَصَّلَهُ مِن العِلْمِ؛ قالَ لِي: حَضَرْتُ دُرُوسًا عَلَى أَحَدِ المَشايِخِ سِتَّةَ أشْهُرٍ!، فَقُلْتُ لَهُ: هَذا لا يُصَيِّرُكَ طالِبًا فَضْلًا عَن تَأهُّلِكَ للإفْتاءِ، فَأجابِنَي: بِأنَّهُ لا يُقَلِّدُ أحَدًا؛ وإِنَّما يَأخُذُ بالكِتابِ والسنَّةِ!، والسؤالُ هُو: هَلْ يَجُوزُ لِمِثْلِهِ الإفْتاءُ فِي مِثْلِ هَذهِ المسائلِ أمْ لا؟؛ وإنْ كانَ الجَوابُ بِالمَنْعِ فَهَلِ الفَتْوى بِغَيرِ عِلْمٍ مَعْدُودَةٌ مِن صَغائرِ الذنُوبِ أم مِن الكبائر؟؛ وهَلْ كُنْتُ مُحِقًّا فِي الإنْكارِ عَلَيهِ أم لا؟؛ وهَلْ هُو مُصِيبٌ فِي قَولِهِ إِنَّهُ يَأخُذُ بالكِتابِ والسنَّةِ؟، فَأرْجُو التعْجِيلَ بالجَوابِ تَفْصِيلًا؛ لأنَّ الأمْرَ قَدْ أشْكَلَ عَلَينا، باركَ اللهُ فِي عِلْمِكُمْ ونَفَعَ بِكمُ الإسلامَ والمُسْلِمين؟.

فَأجابَ - مُبَسْمِلًا مُحْمِدْلًا مُصَلّيًا - بِما يَلِي:

مِن خادِمِ العِلْمِ وأهْلِهِ أبِي الوَلِيدِ الغَزِيِّ الأنْصارِيِّ إلَى حَضْرَةِ الأخِ المُكَرَّمِ .... ؛ وفَقَهُ اللهُ إلَى كُلِّ خَير: السلامُ عَلَيكمْ ورَحْمَةُ اللهِ وبَركاتُهُ؛ أما بعْد:

فَسُؤالُكَ - أَوَّلًا - يَدُلُّ عَلَى تَعْظِيمِ قَدْرِ العِلْمِ وأهْلِهِ، وَهذا - بَعْدَ إِخْلاصِ الوَجْهِ للهِ تَعالَى - شَرْطُ التَوْفِيقِ فِي طَلَبِهِ، فَإنَّ الجُرْأَةَ عَلَى الفَتْوَى مِن أعْظَمِ عَوائِقِ الاسْتِزادَةِ مِن العِلْمِ، وحَقٌّ عَلَى العِلْمِ فِي شَرَفِهِ وعُلُّوِّ رُتْبَتِهِ أنْ يَمْتَنِعَ عَمَّنْ لا يُحْسِنُ أنْ يَاتِيَهُ مِن أَبْوابِهِ!، ولِذا كانَ السلَفُ رَحِمَهُمُ اللهُ تعالَى يَقُولُونَ: إِذا تَصَدَّرَ الحَدَثُ فاتَهُ خَيْرٌ كَثِيرٌ. انتهى. وكانُوا يَقُولُونَ: مِن دَخَلَ فِي العِلْمِ وحْدَهُ خَرَجَ وَحْدَه!. انتهى. واعْتِرافُ الجاهِلِ بِجَهْلِهِ خَيْرٌ لهُ؛ لأَنَّ ذلكَ يَحْمِلُهُ عَلى الاسْتِزادَةِ مِن العِلْمِ ما أمْكَنُهُ، لَكِنَّ البَلَيَّةَ كُلَّ البَلِيَّةِ فِي الجاهِلِ إِذا نَزَّلَ نَفْسَهُ مَنْزِلَةَ مَنْ يَعْلَمُ، وهذا هُوَ الذِي يُسَمِّيهِ العُلَماءُ التَّعالُمَ!، وإِنّما مَثُلُهُ كَمَثَلِ مَن أَلِفَ المَرَضَ المُزْمِنَ واعْتادَهُ؛ فإنْ سَلَّمَ لِحُذَّاقِ الأطِبَّاءِ بِوُجُودِ الداءِ كانُوا علَى رَجاءٍ مِن شِفائِهِ، وإلاَّ أهْلَكَهُ، وَهَذا الفَرِيقُ مِن الناسِ خَطَرُهُ كَبِيرٌ عَلَى العِلْمِ خاصَّةً؛ وَعَلَى أَهْلِ الإسلامِ عامَّةً، وأكادُ أَقْطَعُ بأَنَّهُ لا شَيْءَ بَعْدَ الشرْكِ باللهِ تعالَى أَعْظَمُ عَلَى المُسْلِمينَ مِن هَذِهِ الآفَةِ، بَلْ ذَكَرَ الأسْتاذُ مالكُ بِنُ نَبِيٍّ فِي بَعْضِ كُتُبِهِ وعَنُهُ الشيخُ بَكْرُ بنُ عَبدِ اللهِ أبو زَيْدٍ رَحِمَهُما اللهُ أنَّ هَذِهِ الفاقِرَةَ مِن أعْظَمِ أسْبابِ تَأَخُّرِ نَهْضَةِ المُسْلِمينَ، وهذا صَحِيح؛ خاصّةً إذا عَلِمْتَ أنَّ التعالُمَ قَدْ تَعَدَّدتْ مُظاهِرُهُ وصُوَرُهُ فِي نَواحٍ مُخْتَلِفَةٍ مِن حَياةِ المُسْلِمينَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت