الصفحة 28 من 207

والثانِي: كُتُبٌ مُكَمِّلَةٌ لِهَذهِ؛ وهِي كُتُبُ الحَواشِي والشرُوحِ، فَيَجْعَلُ النظَرَ فِي هَذه عَقِبَ تِلكَ، والذي أفَدْناهُ من بَعْضِ مَشايِخِنا أنْ يَتَخِذَ الطالِبُ مَتْنًا يَجْعَلُهُ عَمْدَةَ الفَنِّ؛ ثمَّ يَنْظُرَ فِي شَرْحِهِ المَتداوَلِ بينَ الطلابِ؛ فَإذا ألَمَّ بِهذا عَطفَ عَلى مُطالَعَةِ غَيرِهِ من الشرُوحِ فَيَضُمَّ ما فِيهِ من الفَوائدِ الزائدَةِ بِتَقْيِيدِها عَلى حواشي الشرْحِ الأولِ، وهَكذا كُلَّما طالَعَ شرْحًا ضَمَّ ما يَقَعُ مِن الفوائدِ الزوائدِ إلى ذلكَ الشرْحِ، وهَكذا يَصْنَعُ فِي كلِّ فنٍّ من الفُنُونِ، وهذه الطريقَةُ من أحْسنِ طُرُقِ إتقانِ الفَنِّ، وما التوفِيقُ إلاّ من عَنْدِ الله.

والثالِثُ: كُتُبٌ للجَرْدِ، - (والجَرْدُ: قِراءَةُ الكِتابِ مِن أوّلِهِ إلَى آخِرِهِ حَرْفًا حَرْفًا) - وضابِطُها فِي الجُمْلَةِ ما أثْنَى عَلَيهِ العُلَماءُ مِنْ كُتُبِ الفَنِّ مُطَوَّلِها ومُتُوَسِّطِها ودُونَ ذلكَ، كفَتْحِ البارِي لابْنِ حَجَرٍ، والمُحلَّى لابنِ حَزْمٍ، والمُغنِي لابنِ قُدامَةَ؛ وقَدْ أثْنَى عَلى هذينِ العِزُّ بن عَبدِ السلامِ رحِمَهُ الله، وزادَ الذهَبي: السنَنَ الكَبيرَ للبَيْهَقِيِّ، والتمْهِيدَ لابنِ عَبْدِ البَرِّ، ومِثْلُ هَذه الكُتُبِ: كُتُبُ الشيْخَينِ ابنِ تَيمَيةَ وتِلْمِيذهِ علَى الجَمِيعِ رَحْمَةُ الله.

لكنْ لا يَشْرَعُ فِي جَرْدِ هَذه الكُتُبِ حَتَّى يَفْرُغَ مِما سَبَقَ، لأنَّ ما ذكَرْناهُ فِي الأولِ والثانِي مَفاتِيحُ هَذِه المُطوّلاتِ، وقَدْ شكَى لِي بَعْضُ الطلَبَةِ أنهُ أجْهَدَ نَفْسَهُ في جَرْدِ المُطوَّلاتِ لكِنَّهُ لَم يَنْتَفِعْ بِذلكَ، بلْ حَدَّثَنِي أَنَّهُ لا يَكادُ يَسْتَحْضِرُ مِنها شَيئًا!؛ وسألَنِي عَن ذلكَ؟؛ فأجَبْتُهُ بِما أحْكِيهِ لكَ من إغْفالِ مَفاتِيحِها، ولأنَّ المَطَوَّلاتِ تَحْكِي فِي الغالِبِ العالِيَ والنازِلَ من الخِلافِ؛ وذلك لا يُناسِبُ حالَ المُبْتَدِئِينَ كما بَينَّاهُ في غَيرِ هذا المَوضع.

ولِذا يُنْصَحُ المُبْتَدِئُ من الطلَبَةِ أنْ لا يَقْتَنِيَ من الكُتُبِ إلاّ ما يَحْتاجُ إلَيهِ؛ حَذرًا مِن الشتاتِ فِيما لَمْ يَتَأَهَّلْ لَهُ مِنَ الكُتُبِ بَعْدُ، ولطالِبِ العِلْمِ نَهْمَتانِ: نَهْمَةٌ تَضُرُّ وهِي هذهِ، ونَهْمَةٌ تَنْفَعُ؛ وهِي ما حَملَتْهُ علَى المُثابَرَةِ فِي الطلبِ معَ مُراعاةِ قَواعِدِهِ، وقَدْ نَبّهَ بَعْضُ العُلماءِ إلَى اعْتِبارِ حالِ من مَضَى مِنْ عُلَماءِ السلَفِ بِحالِ المتَأخِّرينَ والمُعاصِرينِ، فإنّكَ تَرَى الأولِينَ أشَدَّ رسُوخًا فِي العِلْمِ - علَى قِلّةِ ما كانَ عِنْدَهُمْ من الكُتُبِ - من المَتأخّرينَ!، ولذلكَ أسبابٌ مِنها هذا: وهُو أنَّ قِلَّةَ الكُتُبِ تَحْمِلُ علَى إدْمانِ النظَرِ فِيها؛ وصرْفِ العنايَةِ إلَيها؛ فيحصلُ بِذلكَ إتْقانُ العِلْمِ وحِفظُهُ، بِخِلافِ المَتَأخِّرينَ؛ فإنَّ كَثْرَةَ الكُتُبِ قَدْ تَكُونَ مانِعًا من الإتْقانِ وإدمانِ النظَرِ؛ لانْتِقالِهِ من كِتابٍ إلَى كِتابٍ فَتَتَفَرَّقُ الهِمَّةُ بِذلكَ فِي شِعابِ الكُتُبِ والمسائل!، نَعَمْ؛ مَن لَحَظَ هَذا فَسلكَ مَسلكَ الأولِينَ فَقدَّمَ إتقانَ الأصولِ وأحْكَمَها كما بَيَّنَّاهُ ثُمَّ أضافَ إلَيْهِ سَعَةَ المُطالَعَةِ كانَ الغايَةَ إن شاءَ الله، وفوقَ كلِّ ذي علْمٍ علِيم.

والرابِعُ: بَقِيَّةُ الكُتُبِ سِوَى ما ذكَرْناهُ، مِما يَقْعُ علَيهِ الطالِبُ ويُيُسَّرُ لهُ؛ وهذا لمُطالَعَتِهِ طِريقَتان:

-إحداهما: أنْ يَأتِي إلَى كِتابٍ لمْ يُطالِعْهُ من قَبْلُ؛ لكِنَّهُ قَرَأَ رَدِيفًا لَهُ من قَبْلُ، فَيَتَصَفَّحُ الكِتابَ الجَديدَ مِن أولِهِ إلى آخِرِهِ ورَقَةً ورَقَةً؛ فَما وَجَدَهُ قَدْ مَرَّ علَيهِ من المَباحِثِ فِي الكِتابِ الأوّلِ جاوَزَه؛ وما رَأى فِيهِ من جَديدٍ قَرَأهُ وحَرَّرَهُ؛ ولا يُغْفِلُ تَقْيِيدَهُ علَى غِلافِ الكِتابِ أو فِي كُراسٍ خاصٍّ؛ حَتّى يَأتِيَ علَى الكِتابِ كُلِّهِ؛ فإنّهُ يكُونُ بذلكَ كَما لَو قَرَأَهُ كامِلًا، وأغْلَبُ المَباحِثِ مُكَرَّرَةُ فِي الكُتُبِ، فَلا يُحْوِجُهُ ذلكَ إلَى كَثِيرٍ من الوَقْتِ، فإنْ طالَعَ بالطريقَةِ نَفْسِها كِتابًا ثالِثًا؛ وجَدَ الجَديدَ من المَسائلِ بالنسْبَةِ للكِتابَيْنِ الماضِيَيْنِ أقَلَّ مِن الثانِي غالِبًا، وهكذا كُلَّما طالَعَ كِتابًا جدِيدًا، ومِنْ فَوائدِ هَذهِ الطريقَةِ أنْ يَحْفَظَ مَظانَّ المسائلِ التِي تفَرّدَ بِها المُصًنِّفُونَ؛ وفِي ذلكَ نَفْعٌ بالِغٌ لِمَن تَدبَّرَهُ، وهَذه الطرِيقَةُ هَي الصوابُ فِي المُطالَعَةِ؛ وهِي الأصْلُ فِي هَذه المَرْتَبَةِ الرابِعَةِ، وبِها يَحْصُلُ التبَحُّرُ فِي العِلْمِ، وهِي الطريقَةُ المُتَّبَعَةُ عَنْدَ السلَفِ رَحِمَهُمُ اللهُ كَما فَهِمْتُهُ من مُطالَعَةِ تَراجِمِهِم وأخْبارِهِم، ولذا كانُوا واسعِي الاطلاعِ جدّا؛ كما فِي تَرْجَمَةِ القاضِي الفاضِلِ عَبْدِ الرحِيمِ البَيْسانِيِّ العَسْقَلانِي وزَيرِ صلاحِ الدينِ الأيوبِيِّ رَحِمَهُ اللهُ أنَهُ طالَعَ مائَةَ ألَفِ مَجلَّدَةٍ مِن الكُتُبِ!؛ وذلكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت