بِسْمِ اللهِ الرحْمَن الرحيم
أمْثَلُ طُرُقِ المُطالَعَة
رقمُ الفَتْوى: 3/ 6/ 9307
وسُئلَ عَنْ مُطالَعَةِ الكُتُبِ؛ ما هِي الطريقَةُ الأنفعُ للطالِب فِي ذلكَ، وهَلْ يُسْتَحَبُّ للطالِبِ الإكثارُ مِن المَطالعَةِ أوائلَ الطلبِ أم لا؟.
فَأجابَ: الحَمْدُ للهِ؛ وبَعد:
فَمِمّا قَراتُهُ عَن حُكَماءِ الهِندِ قَولُ بَعْضِهِم: العِلْمُ أرْبَعَةُ أرْباعٍ؛ رُبُعٌ من المَعلِّمِ، وربُعٌ مِن الكُتَب، ورُبُعٌ مِن الأصحابِ، وربُعٌ مِن الحَياةِ، وهِيَ قِسْمَةٌ صَحيحَةٌ إذا أُخِذَ العِلْمُ بالمَعْنَى الأعَم، والمرادُ مِن الأصحابِ القُرَنَاءُ؛ ولذا أُمِرَ المَرْءُ باتخاذِ الجلِيسِ الصالِحِ لما يَنْتَفِعُ بِهِ من هَديهِ وسَمْتِهِ وخلُقِهِ؛ وذلكَ من العِلْمِ أيضا، وهكذا الحَياةُ فإنّها الخِبْرَةُ والدُّرْبَةُ؛ والمراسُ والتجْرِبَةُ، وكَمْ مِن حامِلِ عِلْمٍ حُرِمَ إيصالَهُ للناسِ لِفَقْرِهِ فِي هذا، واللهُ يُعْطِي مِن شاءَ ما شاء.
أما مُطالَعَةُ الكِتابِ؛ فَلا غِنَىً لِطالِبِ العِلْمِ عَنْها، بَلْ لا يَحْصُلُ لَهُ التبحُّرُ فِي العِلْمِ والتوَسَّعُ فِيهِ إلا بِذلك، وتَقْصِيرُ الطالِبِ فِي المُطالَعَةِ مِن أعْظَمِ أسْبابِ النّقائِصِ فِي حَياتِنا العِلمِيَّةِ المُعاصِرَةِ كَما أشارَ إلَى ذلكَ العَلاّمَةُ مَحَمَّدُ البَشيرُ الإبْراهِيمِيُّ فِي مَقالٍ لَهُ ضِمْنَ مُجْمُوعِ آثارِهِ رَحِمَهُ الله، ولِهَذا قِيلَ قَديمًا: لا يَنْبُلُ التلْمِيذُ حَتَّى يُفارِقَ شَيْخَهُ، وإنّما قُدَّمَ التَّحْصِيلُ علَى المُعَلِّمِ مِن بابِ تَقْدِيمِ المُحْتاجِ علَى المُحْتاجِ إلَيهِ، ولأَنَّهُ اخْتِصارٌ للزَّمَنِ والجُهْد؛ وفِيهِ أمْنٌ مِنَ الوُقُوعِ فِي الآفاتِ المُعَوِّقَةِ عن الفَهْمِ، وإنَّما مَثَلُ المُعلِّمِ مَعَ جُهْدِ الطالِبِ فِي المُطالَعَةِ والتحصيلِ كَمَثلِ الأساسِ والبْناء، فَكما تَرَى الأساسَ لا يُغْنِي عن البِناءِ؛ والبِناءَ لا يَكُونُ مَتِينًا مُحْكَما إلا علَى قَدْرِ ما أُحْكِمَ الأساسُ فكذلك هنا.
ثمّ اعْلَمْ أنَّ للمُطالَعَةِ رُكْنَينِ لا بُدَّ مِنْهما:
-انْتِقاءَ ما يُطالِعُهُ مِن الكُتُب، ومِيزانُ ذلكَ: الفَنُّ الذي يَمِيلُ الطالِبُ إلَيه.
-والتَّدَرَّجَ فِيما يُطالِعُهُ.
والكُتُبُ جُمْلَةً تَنْقَسِمُ فِي المُطالَعَةِ إلَى أَقْسامٍ أرْبَعَةٍ، وهُوَ تَقْسيمٌ تَقْرِيبِيٌّ ولَيْسَ مُتَعَيِّنًا فِي هَذا الحَصر، وإنَّما أحْوجَ إلَيْهِ كَثْرَةُ الكُتُبِ وبُلُوغُها حَدّا تَفْنَى الأعْمارُ دُونَ قِراءَةِ بَعْضِهِ فَضلًا عَن جَمِيعَهِ!، وفِي سَعَةِ المُطالَعَةِ تَوسيعُ المَدارِكِ؛ والاطلاعُ علَى دَقائقِ العِلْمِ؛ والخُرُوجُ عَن حَيِّزِ التَّقْلِيد؛ واكْتِسابُ مَلَكَةِ التحْرِيرِ للمَسائِل، والتّأَهُّلُ للتصْنِيفِ، وغيرُ ذلكَ مِما لا يَخْفَى عَلى المُتَأمِّلِ إن شاءَ الله.
وأما الأقْسامُ الأرْبَعَةُ:
فالأَوَّلُُ: كُتُبُ الحِفْظِ والدرْس، ويَدْخُلُ فِي هَذه جَمِيعُ كُتُبِ المُتُونِ فِي الحَدِيثِ والفِقْهِ وغَيرِها، وإنّما ذكَرْناها لأنَّ مَن شَقَّ عَلَيهِ الحِفِظُ من الطلاّبِ احْتاجَ إلَى تَكْرارِ النَظَرِ فِي المَتْنِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّة، حَتَّى تَصِيرَ مَسائِلُهُ حاضِرَةً فِي الذهْنِ وإنْ لَمْ تَكُنْ مَحْفَوظَةَ العِبارَةِ، كَما تَرَى كَثِيرًا من الناسِ يَسُوقَ قِصَّةَ يُوسُفَ علَيهِ السلامُ ولا يَحْفَظُ السورَة، وَإنّما قَدَّمْنا هَذه لِحاجَتِها إلَى الإتْقانِ، لكَنْ يَنْبَغِي أنْ يَقْتِصِرَ مِن المُخْتَصراتِ والمُتُونِ علَى قَدْرِ الضرُورَةِ، لأَنَّ إنْفاقَ الأعْمارِ في المُخْتصراتِ مِن آفاتِ العِلْمِ كما بَيَّنَهُ ابنُ خلْدُونٍ فِي المُقَدِّمَةِ رَحِمَهُ الله.