الصفحة 26 من 207

الثانِي: أنَّ فِيهِ مَشْغَلَةً للطالِبِ عَن تَحْصيلِ عُلُومِ الآلَةِ؛ والتي لا يَحْصُلُ لهُ التمَكُّنُ في العِلْمِ إلاَّ بِها، معَ حاجَتِها إلَى كَثْرَةِ الحِفظِ، والإنْسانُ أَفْرَغُ لَهُ فِي أوائلِ العُمُرِ مِنْهُ في أَواخِرِهِ؛ لما يَعْرِضُ لَهُ مِن المشاغِلِ التِي تَصْرِفُهُ عَنْهُ كُلَّما تَقَدَّمَتْ بِه السِّنُّ والحَياة.

الثالِثُ: أَنَّهُ يُشَوِّشُ عَلَى الطالِبِ كَثْرَةُ الخِلافِ فِي المَسائِلِ بَيْنَ العُلَماءِ، والمُبْتَدِئُ مِن الطُلابِ يَحْتاجُ إَلَى مَعْرِفَةِ الراجِحِ بِدَلَيلِهِ فَحَسْبُ، دُونَ التَّعْريجِ عَلى الخِلافِ بَينَ العُلَماء، وإنَّما يَحْتاجُ إلَى هَذا فِي مَرْتَبَةٍ أُخْرَى مِن التَحْصيلِ يُهَيَّأُ مَعَها للقُدْرَةِ عَلى الاسْتِنْباطِ والنظَرِ والترجيح، ألا تَرى إلى ابنِ رُشدِ لَمَّا صَنَّفَ كِتابَهُ الذي بَيَّنَ فِيهِ أقْوالَ الأئِمَّةِ ومَذاهِبِهِمْ سَماهُ: (بِدايَةَ المُجْتَهْدِ ونِهايَةَ المُقْتَصِد) ، فأشارَ بِذلكَ إلَى أنَّ الاطلاعَ على مَذاهِبِ الأئمَّةِ ومَدَارِكِ أَقْوالِهِمْ بِدايَةٌ لِتَحْصيلِ رُتْبَةِ الاجْتِهادِ فِي العِلم.

الرابِع: وزِدْ عَلى هذا أنَّ بَحْثَ المسائلِ عَلى هذا الوَجْهِ المذكُورِ في السؤالِ يُوقِعُ الطالِبَ المُبْتَدِئَ علَى العالَي والنازِلِ مِن الخِلافِ لا فِي المَذاهِبِ الأَرْبَعَةِ وحَدها؛ بلْ فِي مذاهِب الظاهِرِيَّةِ وأهْلِ الحديثِ وغَيرِهم، فَيَزيدُهُ ذلكَ حَيرَةً واضطرابًا.

الخامِس: أنَهُ يَقَعُ بِسَببِ ذلكَ مِن التَّعالُمِ والتطاوُلِ علَى الأَئِمَّةِ رَحِمَهُمُ اللهُ ما هُوَ مِن أَعْظَمِ الجِنايَةِ علَى العِلْمِ وأَهْلِه، فإنَّ لِكُلِّ إمامٍ من الأَئمَّةِ ولِكُلِّ مَذهَبٍ من المَذاهِبِ قَواعِدَ مُحَرَّرَةً وضَوابِطَ مُقَرَّرَةً للاستِنْباطِ والترجِيحِ؛ والحالُ فِي المَذكُورِ أَنَّهُ جاهِلٌّ بِها؛ فَلَيتَ شَعْرِي بَأيِّ مُرَجِّحٍ سَيُرَجِّحُ سِوى الجَهْلِ والهَوى، واللهُ المُستعان.

وقَدْ ابْتِلِينا بِهَذا فِي أَولِ عامَينِ مِن الطَّلَبِ مَعَ جَمْعٍ مِن أصحابِنا قَبْلَ أكْثَرَ مِن رُبُعِ قَرْنٍ من الزمانِ؛ ثُمَّ عافانا اللهُ تعالَى مِنْه، ومَنَّ عَلَينا بالجادَةِ القوِيمَةِ؛ والشِّرْعَةِ المُسْتَقِيمَةِ؛ فإذا الفَرْقُ بَينَ الطرِيقَتَينِ كالفَرْقِ بَينَ الثَرَى والثُّرَيّا!؛ وبَيْنَ الظّامِئِ ومَن امْتَلأَ شِبَعًا وَرِيَّا!.

ثُمَّ أُنَبِّهُ إلَى أَمْرٍ مُهُمٍّ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ المُعَلِّمُونَ والمُرَبُّونَ مِنْهُ عَلى بَصيرَة، وهُو أَنَّ المُفْتَرَضَ فِي الطالِبِ تَهْيِئَتُهُ لِتَحَمُّلِ أَعْباءِ الدَّعْوَةِ وتَكالِيفِها، ومِنْ أُصُولِ ذلكَ تَقْدِيمُ الأَهَمِّ فالأَهَمِّ، والعِنايَةُ بِكُبْرَياتِ المَسائِلِ التِي طَرَأَتْ عَلَى حَياةِ المُسْلِمينَ؛ حيثُ يَكُونُ تَفْوِيتُها تَفْوِيتًا لأَعْظَمِ المَصْلَحَتَينِ ولَوْ بِتَحْصِيلِ أَدْناهُما؛ ولا يُمْكِنُ ذلكَ إلاَّ بِتَرْبِيَةِ الناشِئَةِ وطلَبَةِ العِلْمِ عَلَى تَقِديمِ العِنايَةِ بِأصُولِ العِلْمِ وكُلِّياتِهِ؛ وتَجْنِيبِهِمْ إنْفاقَ ساعاتِ العُمُرِ وزَهْرَةَ الشبابِ فِي مسائلِ الفُرُوعِ الخِلافِيَّةِ الاجْتِهادِيَّةِ التِي لا يَتَأتَّى الترْجيحُ فِيها إلاَّ بَعْدَ التمَكُّنِ مِن العِلْمِ ومُرَاوَضَتِهِ وطُولِ الباعِ فِيه، وهَذهِ ثَغْرَةٌ رُبَّما غَفِلَ عَنْها كَثِيرُونَ، مَعَ تَنَبُّهِ العَدُوِّ لَها ومَعْرِفَتِهِ بِخَطِرَها!، والحَمْدُ للهِ أولًا وآخِرًا.

واللهُ أعْلَمُ، وصلَّى اللهُ على مُحَمَّدٍ وعَلى آلِهِ وصَحْبِهِ وسلم.

كان الله له

أَبُو الوَليدِ الغزِّيُّ الأَنْصارِيُّ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت