الصفحة 25 من 207

بِسْمِ اللهِ الرحْمَنِ الرحِيم

طَلَبُ العِلْمِ بالبَحْثِ في المَسائل

رَقمُ الفَتْوى: 3/ 5 / 5306

وسُئلَ عَمَّا يَفْعَلُهُ بَعْضُ الطَلَبَةِ لِتَحْصيلِ العِلْمِ مِن العِنايَةِ بالمَسائلِ وبَحْثِها؛ فَيْجِتَمِعُونَ عَلى مَسْألَةٍ مِن المسائلِ التي وَقَعَ الخِلافُ حَوْلَها؛ ويَسْتَخْرِجُونَها مِن مَظانِّها؛ ويَبْحَثُونَ في الراجِحِ مِنها، ثُمَّ يَنْتَقِلُونَ إلى مَسْألَةٍ أُخْرَى؛ وهَكَذا، وهُمْ فِي ذلكِ عَلى غَيرِ خُطَّة؛ بلْ يَنْتَقِلُونَ من مَسألَةٍ في الصلاةِ مَثلًا؛ إلى أُخْرى فِي البُيوعِ؛ وثالثَةٍ في الحَجِّ؛ ورابِعَةٍ في الصيامِ وهكذا، ويَقُولُونَ إنَّ هذا يَخْتَصِرُ الوَقْتَ عَلى الطالِبِ؛ ويُكْسِبهُ سَعَةَ الإدراكِ والاطلاعَ على أقوالِ العلماءِ في البابِ معَ ما فِيهِ من المِرانِ على البَحْثِ والتعْويدِ عَليْه، فَهْلْ ذلكَ صَحيحٌ وهلْ تَنْصَحُونَ بهِ أمْ لا؟.

فكتبَ في جوابه: الحَمدُ للهِ؛ وبعد:

فإنْ كانَ الطالِبُ مِمَّنَ أَلَمَّ بِما يَحْتاجُ إلَيْهِ من عَلُومِ الآلِةِ وحَصَّلَ ما يَجْبُ عَلَيْهِ مِنْها، وقَطَعَ شَوطًا حَسنًا فِي دِراسَةِ كُتُبِ الحَديثِ والفِقْهِ على ما بَيَّناهُ في غَيرِ هذا المَوضِعِ - (راجِعْ في كِتابِ العِلمِ من النوازلِ: الالتزامَ بِمَذهَبٍ في الطلب) - فَهَذه الطريقَةُ نافِعَةٌ جدًا إن شاءَ اللهُ، لما فِيها مِن مُذاكَرَةِ العِلْمِ والتوسُّعِ في مَعْرِفَةِ مسائِلَه، على أنْ يَكُونَ رُفقاؤُهُ في ذلكَ من المُتَأَهِّلينَ الأَقْوياءِ في الطلب؛ ومِمَّنْ ساوَوْهُ أو فاقُوه، مَعَ ما فِيها مِن اخْتِصارِ الوقْتِ وتَحْصيلِ كَثيرٍ من الفَوائدِ فِي المُدَّةِ اليَسيرَةِ، إضافَةً إلى ما ذُكِرَ في السؤالِ من الفَوائدِ.

أَمَّا إنْ كانَ الطالِبُ في أوائلِ الطلَب، أو ضَعِيفًا في التَحْصيلِ، فإنَّهُ وإنْ حَصَلَتْ لَهُ مِنْها بَعْضُ الفائِدَةِ إلا أنَّ ضَرَرَها عَلَيْهِ أكْثَرُ مِن نَفْعِها، بَلْ هَذا الصنِيعُ مِن بَعْضِ الطلابِ آفةٌ مِن آفاتِ الطلَب!، وَذلكَ لأُمُور:

الأَوَّل: أنَّهُ مُصادَمَةٌ لِسُنَّةٍ من سُنَنِ اللهِ الكَوْنِيَّةِ في الحَياةِ، والتي جَعَلَ اللهُ تعالَى فيها لِكُلِّ شَيءٍ قَدْرًا، وأقامَها عَلى نِظامٍ لا يَتَغَيَّرُ ولا يَتَبَدَّل، وهُو التَّدَرُّجُ فِي تَحْصيلِ الأسْباب، وذلكَ في كُلِّ شَيءٍ من شُئونِها، فالإنسانُ يُولَدُ طِفلا ثمَّ يَكْبرُ يوما يعْدَ يومٍ وسَنةً بعد سَنَة!، والنباتُ كَذلكَ يُزْرَعُ فَلا يُثْمِرُ إلا بَعْدِ دَهْرٍ قُدِّرَ لَه!، والمَرَضُ يَصِيبُ العَبْدَ فِيَتَداوَى مِنْهُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّة حَتَّى يَقَعَ البُرْءُ عَنْدَ قَدْرٍ مَعَيَّنٍ مِنْه!، والبِناءُ يُقامُ علَى الأساسِ أولًا ثمَّ يَرْتَقِي بانِيهِ درَجَةً فَدَرَجَة، وهكذا فِي كُلِّ أُمُورِ الحَياةِ إلى بِناءِ الأُمَمِ والدُّول!، فَمَنْ رامَ خَرْقَ هذه السنَّةِ الكَونِيةِ كانَتْ النَتِيجَةُ عَكْسَ ما قَصَدَ إلَيْهِ، وآضَ جُهْدُهُ وبالًا عَلَيه.

وهَكذا الشأنُ في طَلَبِ العِلْمِ لا يَحْصلُ للإنْسانِ إلاَّ شَيئًا بَعْدَ شَيءٍ؛ معَ الصبرِ والمثابَرةِ والأَناةِ؛ والبَدْءِ بِصغارِ مسائلِهِ قَبْلَ كِبارِها، كَما قِيل: أوَّلُ العِلْمِ السماعُ ثمَّ التَّقْيِيدُ ثمَّ الحفْظُ ثمَّ العَملُ ثمَّ التَّعْلِيمُ ثُمَّ التصْنِيف!، قالهُ النووِيُّ وغَيْرُهُ رَحِمَهُمُ الله، فانْظُرْ كَيفَ جَعَلَ التصْنِيفَ آخِرَها؛ وبَحْثُ المسائلِ علَى هذا الوَجْهِ نَوْعٌ مِن التصنيف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت