ومِنْهم: أحمدُ بنُ يَحْيَى بنِ جابِر بنِ داودَ البلاذُرِيُّ المُؤرِّخُ المشهُورُ صَاحبُ التصانِيفِ، له ترجَمَةٌ في لسانِ الميزانِ وغيره؛ وَقَالَ ابنُ الندِيمِ فِي الفِهْرِسْتِ: وَسْوَسَ فِي أَيَّامِهِ؛ فَشُدَّ فِي الْمَرِسْتانَ وَماَتَ فِيه؛ وكانَ سَبَبُ ذلكَ أَنَّهُ شَرِبَ (البلاذُرَ) عَلَى غَيْرِ مَعْرِفَةٍ؛ فَلَحِقَهُ ما لَحِقَه!؛ ولهذا قِيلَ لهُ البلاذُرِيُّ!.
وفي وفِيَّاتِ الأعْيانِ لابنِ خَلِّكان؛ في ترجَمةِ قاضي حلب أبي المحاسِنِ بن شدّادٍ الشافعي؛ قال: لَمّا كُنّا فِي المدْرَسَةِ النظامية ببغدادَ؛ اتّفَقَ أَرْبَعَةٌ أوْ خَمْسَةٌ مِنَ الفُقهاءِ المشتَغِلِينَ علَى اسْتِعْمالِ حبِّ (البلاذُر) ؛ لأَجْلِ سُرْعَةِ الحِفْظِ والفَهْم؛ فاجْتَمَعُوا بِبَعْضِ الأَطبّاءِ؛ وسأَلُوهُ عَنْ مِقْدارِ ما يَسْتَعْمِلُ الإنسانُ مِنْهُ؛ وكَيْفَ يَسْتعْمِلُهُ؛ ثُمَّ اشْتَرَوُا القَدْرَ الذي قَالَ لَهُم الطبيبُ؛ وشَرِبُوهُ فِي مَوْضِعٍ خارِجٍ عَنِ المدرَسَةِ؛ فَحَصَلَ لَهُمُ الْجُنُونُ!؛ وتَفَرَّقُوا وَتَشَتَّتُوا وَلَم يُعْلَمْ ما جَرَى عَليهم؛ وَبَعْدَ أَيامٍ جاءَ إِلَى الْمَدْرَسَةِ واحِدٌ مِنْهُم؛ وكانَ طَويلًا؛ وَهُوَ عُرْيانٌ لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ يَسْتُرُ عَوْرَتَهُ، وَعَلَى رَاسِهِ (بقيارٌ) ؟ كَبِيرُ لَهُ عَذَبَةٌ طَويلَةٌ خارِجَةٌ عَنِ العَادَةِ؛ وَقَدْ أَلْقاهَا وَرَاءَهُ فَوَصَلَتْ إِلَى كَعْبِه!، وهُوَ ساكِتٌ عَلَيْهِ السكِينَةُ والوَقارُ لا يَتَكَلَّمُ وَلا يَعْبَثُ، فَقامَ إليهِ مَنْ كانَ حاضِرًا مِنَ الفُقَهاءِ وسأَلُوهُ عَنِ الحال، فقالَ لهم: كُنّا قَدْ اجْتَمَعْنَا وشربْنَا حبَّ (البلاذُر) ، فأَمَّا أَصْحابِي فإنّهم جُنُّوا ومَا سَلِمَ مِنْهُمْ إلا أَنا وَحْدِي، وصارَ يُظْهِرُ العقْلَ العظيمَ والسكُونَ، وهمْ يَضْحكُونَ مِنْهُ وهوَ لا يَشْعُرُ بِهم؛ ويعتقِدُ أنه سالِمٌ مما أصابَ أصحابَه، وهو على تلكَ الحالَةِ لاَ يُفَكَّرُ فيهمْ ولا يَلْتَفِتُ إِلَيْهِمْ. انتهى.
والظاهِرُ مِن هذا كُلِّهِ أنَّ النباتَ المَذكُورَ يَحْتَوي على مادَّةٍ مُخَدِّرَةٍ لَها أثَرٌ على العَقْلِ واللهُ أعلم؛ فإنْ كانَ الأمرُ كذلكَ حَرُمُ تَناوُلُها، وإنْ كانَ مِنْ جِهَةِ السمِّيَّةِ كانَ المْقدارُ الضارُّ مِنها مُحرمًا، لكِنَّ ذلكَ فرعٌ عنْ مَعْرِفَةِ صِفَةِ المادَّةِ والتحَقُّقِ مِنها، فَيْحْتاجُ إلى الرجُوعِ إلى الكُتُبِ المُخْتَصَّةِ بذلكِ، وليسَ ذلكَ الآنَ واسعًا.
وما أطلْنا بِهِ مِن شأنِ هذا الدواءِ لا يَخْلُو مِن فائدَةٍ ونادرَة، وإنْ شِئْتَ فَسَمِّ هذا الجوابَ (الرِّسالَةَ البلاذُرِيَّةَ) ؛ وباللهِ وحدَه التوفيقِ؛ وصلى اللهُ على مُحَمِّدٍ وآلهِ وصَحْبِهِ وسلَّم.
كان الله له
أبو الوليدِ الغزي الأنصاري