-والأخْرَى: وهِيَ قَبْسَةُ العَجْلانِ - وإنّما تَنْفَعُ فِيما يَقْتَنِيهِ أَوْ يَقَعُ عَلَيْهِ من الكُتُبِ ولا يَسَعُهُ قِراءَتُها جَرْدًا ولاَ مُطالَعَتُها علَى الوَجْهِ الذي ذكَرْناه؛ أو يَرْغَبُ فِي إرْجاءِ مُطالَعَتِها إلَى حِينٍ لانْشِغالِهِ بِغَيْرِهِا من الكُتُب -؛ وحاصِلُها: أنْ يَقْرأَ مُقَدِّمَةَ المُصَنِّفِ للكِتابِ، ثُمَّ يَنْظُرَ فِي الفهارِسِ الكاشِفَةِ لِمَوْضُوعاتِهِ، فإن وَجَدَ جَديدًا أثْبَتَ ما يُشِيرُ إلَيهِ علَى غِلافِ الكِتابِ مِن داخِلَهِ لِيتَيَسَّرَ الرجُوعُ إلَيهِ عِنْدَ الحاجَةِ، فإنْ وَسِعَهُ أنْ يُعَجِّلَ النَّظَرَ فِي الفائدَةِ فَعلَ وإلاَّ فَقد اهْتَدى إلَى مَوْضِعِها، ويُسْتَحَبُ لَهُ مَعَ ذلكَ أن يَقْرأَ من الكِتابِ بِضْعَ صَفَحاتٍ يَتَخَيَّرُها لِيطّلِعَ بِذلكَ عَلى مَنْهَجِ المُصَنِّفِ فِي كِتابِهِ؛ فَيكْتَسِبَ مَعَ الإكْثارِ مِن هَذا خِبْرَةً حَسَنَةً فِي طُرُقِ التَصْنِيفِ وعَرْضِ المسائلِ والأدلَّةِ.
تَنْبِيه: اعْتادَ كَثِيرٌ من المُعاصِرينَ مَلْءَ حواشِي الكُتُبِ بالتَحْقِيقاتِ والنقولاتِ؛ وفِي كُلِّ بابٍ مِن الأبوابِ، فإنْ كانَ الكِتابُ فِي التفْسيرِ مَثلًا؛ نَقَلُوا - لِمُناسَبَةٍ وغَيرِ مُناسَبَةٍ! - نُقُولاتٍ فِي كُلِّ فَنٍّ وعِلْمِ، وكأنَّ مُجَرَّدَ وُرُودِ الكُلِمَةِ ولَوْ عَرَضًا كافٍ لِحاشِيَةٍ علَيْها قَدْ تَبْلُغُ بِضْعَ صَفَحاتٍ أحْيانا!، سَواءٌ لَها تَعَلُّقٌ بِمَوْضُوعِ الكِتابِ أمْ لا!، فَتَرَى فِي الحاشِيَةِ الفِقْهَ وأُصُولَهُ!؛ والحَديثَ وأُصُولَه!؛ والنحْوَ والصرْفَ وأصولَهما!؛ واللغَةَ وعلُومَها!؛ والمَنْطِقَ والكلامَ!؛ والجدَلَ والمناظَرَة!؛ والتراجِمَ والرجالَ؛ والتارِيخَ والبُلْدانََ، والجَغْرافيا!؛ والنجُومَ والفَلكَ!؛ ... وَ ... وَ ... !!، حَتَّى إنَّ القارِئَ لَيكادُ يَنْسَىَ المَوْضُوعَ الأصْلِيَّ للكِتابِ، ومِثْلُ هَذا مَضْيَعَةٌ للوَقْتِ والمالِ يا طالِبَ العِلْمِ؛ فالحَذرَ الحَذرَ مِن الانْشِغالِ بِمِثْلِ هذهِ الحَواشِي، وإن احْتَجْتَ لِقِراءَةِ مِثْلِ هذه الكُتُبِ فانْشَغِلْ بِمُتُونِها ولا مَزِيد، والرحْمَةَ الرحْمَةَ بِأهْلِ الإسلامِ يا مَعاشِرَ المُحَقّقِينَ!؛ فَإنَّ (القَصَّ واللصْقَ) غَدا مَيْسُورًا لِكُلِّ أحْد، وإلَى اللهِ تُرْجَعُ الأُمور.
والمَرْءُ كُلَّما ازْدادَ علِمًا كانَتِ المُطالَعَةُ أيْسَرَ علَيْهِ، وعلَى الطالِبِ أنْ يُقَدِّمَ العِنايَةِ بِكُتُبِ السلَفِ رَحِمَهُمُ اللهُ؛ فِي أوائلِ الطلَبِ خاصَّةً، فَإنْ وَجَدَ فِي كُتُبِ السلَفِ عُسْرًا فَلِيَنْظُرْ فِي كَتُبِ المُتأَخِّرِينَ ما يُعِينُهُ علَى فِهْمِ تِلكَ الكُتُبِ، لكِنْ علَيْهِ أن يَسْتَنْصِحَ فِي ذلكَ مَنْ يَثِقُ بِدِينِهِمْ وأمانَتِهِمْ مِن العُلَماءِ وهُمْ مُوفُورُونَ وللهِ الحَمْد، وأَمّا مِنَ المُعاصِرِينَ فَلْيطالِعْ كُتُبَ الأكابِرِ مِن العُلَماءِ، وهُوَ مَتَى تَمَكَّنَ مِن آلَةِ العِلْمِ إن شاءَ اللهُ كانَ قادِرًا علَى التمِيِيزِ بينَ الدُّرِّ والصدَفِ، فإنِ اشتَدَّ عُودُهُ فليُوَسِّعْ مَدَارِكَهُ بِتَوسِيعِ مَطالَعاتِهِ وتَنْوِيعِ مَعارِفِهِ، ولا يُهْمِلِ الإلْمامَ بِمَعارِفِ العَصْرِ ولَو علَى سَبيلِ الجُمْلَةِ؛ فَإنّهُ يُفِتِّقُ الذهِنَ ويَفْسَحُ آفاقَ الفِكَرِ ويُزِيلُ عَن العَيْنَينِ غِشاوَةَ التقْلِيدِ، وذلك مِن أعْظَمِ العَونِ علَى الرقِيِّ فِي مَراتِب العِلْمِ، {وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا} .
واللهُ أعْلَمُ؛ وصلَّى اللهُ علَى مُحَمَّدٍ وعلَى آلِهِ وصحْبِهِ وسلّم، والحمدُ للهِ رب العالمين.
كانَ اللهُ لَهُ
أَبُو الوَلِيدِ الغَزِّيُّ الأنْصَارِيُّ