فائدَة: مِمّا ذُكِرَ للحِفْظِ (البلاذرُ) ؛ قال في التاج: وهوَ ثَمَرُ الفَهْمِ!؛ مَشْهُورٌ، وإليهِ نُسِبَ أحمدُ بنُ جابرِ بن داوُودَ البلاذريُّ مِنْ مَشاهِير النَّسّابةِ المؤرِّخِينَ. وأبو محمّدٍ أحمدُ بنُ محمّد بنِ إبراهَيمَ بنِ هاشمٍ البَلاذُرِيُّ؛ بالذال المعجَمةِ المُذَكِّرُ الطُّوسيُّ الحافظُ الواعظُ؛ عالمٌ بالحديث.
و (البلاذُرُ) بِضَمِّ الذالِ؛ نَباتٌ؛ ويُقالُ لهُ في الإنجِليزِيَّةِ كَما في بَعْضِ المَعاجِمِ: ( anacardium) أو ( marsh nut) ، ثُمَّ راجَعْتُ المَوْسُوعَةَ الإنجِلِيزِيةَ فَوَجَدْتُ الكَلِمَةَ الأولَى تَدُلُّ على (عائلَةٍ) نَباتِيَّةٍ يَنْدَرِجُ تَحْتَها بِضْعَةَ أنواعٍ من النباتاتِ السامَّةِ؛ مِنها: اللبلابُ السام؛ والبلوطُ السام؛ والسُّماقُ السام، وأنَّ بعْضَ ثِمارِها اللوزِيَّةِ تُسْتَخْدُمُ في صناعَةِ موادِّ الطِّلاءِ (الدهان) ؛ وموادِّ البلاستِيك، ومِنْها ما يَسْتَخْدَمُ في صِناعَةِ الحِبر، وحَكى ابنُ البَيْطارِ في الجامِعِ لمُفْرَداتِ الأدْوِيَةِ أنَّ الكَلِمَةَ هِنْديَّةٌ؛ ويقالُ لها بالرومِيَّةِ: (انفَرْدِيا) ؛ وتعنِي: الشبِيهَ بالقَلْب، ولَونَهُ أحمَرُ مائلٌ إلى السواد؛ وفي داخِلِهِ مادةٌ تُشْبِهُ الدمَ هِي التي تُسْتَعْمَل؛ وإذا أُخِذَ مِنها قَدْرُ نِصفِ درْهَمٍ نَفَعَ لِجَودَةِ الحفظ؛ وحَكى عن ابنِ سِينا أنَّ لُبَّهُ كَلُبِّ اللوزِ حُلْوٌ لا مَضرَّةَ فيه؛ وأنَّ عَسَلَهُ مِنْ جُمْلَةِ السمُومِ؛ وَتَرْيَاقَهُ مَخِيضُ البَقَرِ، وُدُهْنُ الجَوْزِ يَكْسِرُ قُوَّتَهُ؛ وَمِنَ الناسِ مَنْ يَقْضِمُهُ فَلاَ يَضُرُّهُ وخُصُوصًا مَعَ الجَوْزِ والسكُّر. انتهى.
وذكَرُوا لَهُ آثارًا لا تُحْمَدُ؛ وأنهُ يُحْدِثُ الوسواسَ والبرَسامَ (وهُو نَوعٌ من الجُنون) ؛ ولذا حُكِيَتْ بَعْضُ الطرائِفِ التي وقعَتْ لِمَنْ تَناوَلَه!؛ ...
وفي تَرْجَمَةِ اسحاقِ بنِ راهَوَيْهِ الإمامِ منْ سِيَرِ أعلامِ النبلاء: قالَ اسحاق: قالَ لِي عبدُ اللهِ بنُ طاهرٍ: بَلَغَنِي أَنَّكَ شَرِبْتَ (البلاذُرَ) للحِفْظِ؟؛ قلتُ: ما هَمَمْتُ بِذلكَ؛ ولكنْ أَخْبَرَنِي مُعْتَمِرُ بنُ سُلَيمَانَ؛ قال: أَخبرنَا عُثْمانُ بنُ ساجٍ؛ عنْ خُصَيْفٍ (بالصادِ المُهْمَلَةِ؛ مُصغَّرا) ، عنْ عِكْرِمَةَ؛ عن ابنِ عبّاس؛ قال: خُذْ مِثْقالًا مِنَ كُنْدُرٍ، ومِثقالًا مِنْ سُكَّرٍ، فَدُقَّهُما ثُمَّ اقْتَحِمْهُمَا علَى الرِّيقِ؛ فإنَّهُ جَيِّدٌ للنِّسْيانِ والبَوْلِ.
(الكُنْدُرُ) بِضَمِّ الكافِ والدال؛ ضَرْبٌ مِن العِلْكِ؛ والواحِدَةُ: كُنْدُرَةُ؛ حكاهُ في التاجِ عن ابْنِ سِيدَه، وحكى عن الأطباءِ أنهُ يَقْطعُ البلغَمَ ويَذهَبُ بالنسْيان، وعبدُ الْمَلِكِ بنُ سُلَيْمانَ المصْرِيُّ الكُنْدُرِيُّ، كانَ يَبِيعُ الكُنْدُرَ، سَمِعَ حَسَّانَ بنَ إبراهيم الكَرْمانِيِّ، كذا في تبصيرِ المُنْتَبِهِ لابنِ حجَرٍ.
و (كُُنْدُرُ) أيضًا قَريَةٌ قُرْبَ قَزْوِينَ يُنْسَبُ إلَيها بَعْضُ الأعْلام.
وَمِمَّنْ انتفعَ به: أبو إسحاق إبراهيمُ بنُ مُحَمّدٍ بنِ شِنْظِيرٍ (بكَسرِ أوله؛ حَرْفُ الجبلِ وطَرْفُه؛ والجمع: شناظير) الأُمَوِيُّ، كانَ عالمًا بالحديثِ وعِلَلَه؛ يحفظُ المدونَةَ والمُسْتَخْرَجة؛ ويُلْقِي مسائِلَهُما فلا يُقَدِّمُ ولا يُؤخِّرُ؛ وذكرَ ابنُ بشكوال في الصلةِ أنهُ كان قدْ شَرِبَ (البلاذُر) .
ومِنْهُم: أبو مُحَمد عبدُ اللهِ بنُ إبراهِيمَ الكَتامِيُّ السبْتِيُّ؛ مِن أصحابِ أبي الوليدِ الباجِي؛ وخليفَتُهُ في تدريسِ أصحابه؛ ويُقَالُ إنَّهُ شَرِبَ (البلاذُرَ) للحِفْظِ فَانْتَفَعَ بِهِ؛ وَأَوْرَثَهُ حِدَّةً فِي خُلُقِه؛ ومات في نحْو سنة (407) ؛ ذكرهُ في الصلةِ أيضا.
ومِنهم: أبو الحسنِ مُخْتارُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بِنِ سهر الرُّعَيْنِيُّ القُرْطِبِيُّ؛ ترجمهُ عياضُ في ترتيبِ المدارك؛ وكانَ جامعًا لفُنونِ العلم؛ قال: ويُقَالُ: إنَّهُ شَرِبَ البلاذُرَ، للحِفْظِ؛ فَأَوْرَثَهُ سُوءَ مزاجٍ؛ فَلَمْ يَزَلْ بِهِ إلَى أَنْ أَهْلَكَهُ سنَةَ خَمْسٍ وثَلاثينَ.
ومِنْهُم: فَخْرُ العِراقِ أبو الفرجِ ابنُ الجَوْزِيِّ الإمامُ المَشْهُور: شَرِبَ (البلاذُرَ) ؛ فَسَقَطَتْ لِحْيَتُهُ؛ فَكانَتْ قَصِيرةً جِدًّا؛ وكانَ يَخْضِبُها بالسوَادِ إلى أَنْ مَاتَ.
وفي مَعْرِفَةِ الثقاتِ للعِجْلِيِّ وعنهُ في الوافي للصفدي؛ في ترَجَمَةِ أبي داودَ الطيالِسيِّ: وَكانَ قَدْ شَرِبَ (البلاذُر) هُوَ وعبدُ الرحْمَنِ بنُ مَهْدِيِّ فَجُذِمَ أَبُو دَاودَ وبَرِصَ عبدُ الرحمن؛ فَحَفِظَ أَبُو داودَ أَرْبَعينَ أَلْفَ حديثٍ، وحَفِظَ عبدُ الرحمنِ عشرةَ آلافِ حَديث، وكانَ أَبُو داودَ يَنْقَعُ نَفْسَهُ فِي السَّمْنِ!.