الصفحة 21 من 207

فلْيَتَنَبَّهِ المعَلِّمُونَ والمُربُّونَ والطلابُ إلى هذا فإنهُ مِن أعْظَمِ أسبابِ الانتِفاعِ بالعلم؛ ولابنِ القيمِ رَحِمَهُ اللهُ في بعضِ كُتُبِهِ كلامٌ حولَ هذا المعنى.

ومِنْ ذلكَ شُرْبُ ماءِ زَمْزَمَ؛ لِما وَرَدَ في فضلِ شُرْبِهِ؛ وأنهُ طعامُ طُعْمٍ وشفاءُ سُقْم؛ وأنهُ لِما شُرِبُ له، ورِواياتُ البابِ يُعَضِّدُ بَعْضُها بَعْضًا، وهَوَ دواءٌ مُجَرَّبٌ شَرِبَهُ منَ الصالِحينِ والعُلَماءِ جَماعَةٌ كثيرونَ لِمقاصِدَ صالِحَةٍ مُخْتَلِفَةٍ فحَصَلَ لهم ذلك، ومِمَّنْ شَرِبَهُ للعِلمِ ابنُ حجَرٍ العسقلانِيُّ والسيوطيُّ رَحِمهمُ الله، وأَعْرِفُ من شرِبَهُ للحْفظِ فَفُتِحَ عليهِ فيهِ بفضلِ اللهِ تعالى.

ومِنْهُ: التدَرُّجُ في المَحْفُوظِ؛ فَيْبْدَأُ باليَسيرِ ثمَّ يَضُمُّ إليهِ الشيءَ بعْدَ الشيء؛ مَعَ الحِرْصِ على الطريقَةِ التي بَينَّاها في الرسالَةِ الأولى من (رَسائلِ الثُّغور) ؛ فإنها بِحَمْدِ اللهِ طَرِيقَةٌ مَجَرَّبِةٌ قَدِيمَةٌ عِنْدَ السلف، وقَدْ أرشدْتُ إليها عددًا منَ الطلَبَةِ فَحَفِظُوا بها ما لَمْ يَتَأَتَّ لهم حِفْظِهُ في سَنَواتٍ طَويلَة، وأعْجبُ مِنْ هذا أنَّنِي دَلَلْتُ علَيها بعْضَ كِبارِ السنِّ من العامَّةِ مِمَّنْ لا يَقْرأُ ولا يَكْتُبُ مِن الرجالِ والنساءِ فَحَفِظُوا بِها مِن قِصارِ سُورِ القرآنِ الكريمِ وبعضِ الأدْعِيَةِ مالَمْ يتمكَّنُوا من حِفْظِهِ من قَبْلُ وللهِ الحمد، والحافِظَةٌ كغَيرِها من الآلاتِ الجارِحَةِ في الإنسانِ تَنْمُوا بالتدريبِ وطولِ المِراس.

ومِنْه: كَثْرَةُ مُطالَعَةِ الكُتُب؛ وتَكرارُ النظَرِ في المَحْفُوظِ مرةً بعدَ أخْرى، كما قالَ البُخارِيُّ رَحِمَهُ اللهُ لما سُئِلَ عن دَواءِ الحِفْظِ؛ فقال: إدامَةُ النظَرِ في الكُتُب.

لكنْ يَنْبَغِي التفْرِيقُ بَينَ مُطالَعَةِ الكُتُبِ لأجْلِ الحِفْظِ؛ وَبَينَ إهمالِ الحِفْظِ اعْتِمادًا على الكُتُب؛ ولذا كانَ الحِفْظُ في الأوائلِ قَوِيًّا لاعْتِمادِهِمْ عَلى الذاكِرَةِ في تَثْبِيتِ المَحْفوظِ، والأحْسَنُ أنْ لا يُخْلِيَ الإنسانُ نَفْسَهُ من قَدْرٍ يَحْفَظُهُ في كُلِّ يَوْمٍ وإنْ قلَّ؛ فإنّهُ يَجدُ لذلكَ نَفْعًا بالغًا إنْ شاءَ الله.

فِي تاريخِ الإسْلامِ للذّهَبي رَحِمَهُ الله: قالَ مُحَمَّدُ بنُ أَبِي حاتِمٍ: بَلَغَنِي أنّ أبا عَبْدِ الله شَرِبَ (البلاذُرَ) للحِفْظِ، فَقُلْتُ له: هلْ مِنْ دواءٍ يَشْرَبُهُ الرجلُ للحفظ؟ فقالَ: لا أَعْلَمُ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيَّ وقالَ: لا أَعْلَمُ شيئًا أنفعَ للحْفِظِ مِنْ نَهْمَةِ الرجُلِ ومُدَاوَمَةِ النظَر، وذلكَ أَنِّي كُنْتُ بِنَيْسابُورَ مُقِيمًا، فَكانَ يَرِدُ إِلَي مِنْ بُخَارَى كُتُبٌ، وَكُنَّ قَرابَاتٍ لِي يُقْرِئْنَ سلامَهُنَّ فِي الكُتُب، فَكُنْتُ أكتبُ إلَى بُخَارَى، وَأَرَدْتُ أنْ أُقْرئَهُنَّ سَلامِي، فَذَهَبَ عَلَيَّ أسَامِيهِنَّ حينَ كَتَبْتُ كِتابِي؛ وَلَمْ أُقْرِئْهُنَّ سَلامِي، وَمَا أَقَلَّ ما يَذْهَبُ عَنِّي فِي العِلْمِ.

ومِنْهُ: الإكثارُ مِنَ الشيُوخِ في الطلب!؛ فإنَّهُ يُجَدِّدُ الهِمَّةَ؛ ويَبْعَثُ العزِيمَة؛ ويُفَتِّقُ الأذهان؛ ولِكُلِّ جَديدٍ شِرَّةٌ، وطُولُ العُكُوفِ على الشيءِ يُحْدِثُ في النفْسِ مَللًا وفُتُورًا؛ وقَدْ قيل: كَثْرَةُ مُكْثِ الطالِبِ في المَدْرَسَةِ يُورِثُ البلادَة!؛ وبِهِ تعْلَمُ فَضْلَ الرحْلَةِ في الطلبِ ولِقاءِ المَشْيَخَةِ، لكنْ يَنْبَغِي للطالِبِ أنْ يَعْتَدِلَ في ذلكَ في أوائلِ الطلَبِ خاصَّةً؛ حتى لا تَضيعَ الفائدَةُ التي تَحْصُلُ بالمُلازَمَةِ؛ وقَدْ قيلَ: يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ للطالِبِ بَينَ الشيوخِ شَيْخٌ كالوالِدِ وبَقِيَّتُهُمْ كالأعْمام.

ومِنْه: تخَيُّرُ أوقاتِ الحفْظِ؛ وأحْسَنها الثلثُ الأخيرُ من الليلِ؛ وبعدَ صلاةِ الفجرِ؛ وعلى إثْرِ القائلَةِ في النهار، ويَتَخَيَّرُ وقتَ راحَةِ الجَسدِ، كما يتَخَيرُ أماكنَ الحفظِ في خَلْوَةٍ عن الناسِ؛ بعيدًا عما يَشغَلُ الخاطِرَ ويُشَوشُ القلْب.

ومِنْهُ أطْعِمَةٌ مُجَرَّبَةٌ للحْفظ؛ مِنها (الصعْترُ) أو (الزعْتَر) النبْتُ المشْهُورُ في بلادِ الشام، ومِنها اللبانُ الذكرُ ويَعْتَدلُ في تَناوِلِهِ لأنَّ في الإكثارِ مِنه ضَررًا؛ وقدْ استَعْمَلَهُ للحفظِ جماعَةٌ مِنهمُ الشافِعِيُّ الإمامُ وابْنُ حَبِيبٍ المالكِيُّ؛ وفي ترتيبِ المدارك: قال المغامي (أبو عُمر يوسفُ بن يحيى؛ مِن ولدِ أبي هريرة؛ كما في تاجِ العروس عن جدْوَةِ المُقْتَبِسِ للحُمَيْدِيِّ) : كَانَتْ لابْنِ حَبِيبٍ قَارُورَةٌ، قَدْ أذابَ فيها اللبانَ فِي العَسَلِ، يَشْرَبُ مِنْهَا كُلَّ غَدَاةٍ علَى الرِّيقِ، للحِفْظِ. انتهى. واسْتَعْمَلَهُ ابنُ حَزمٍ؛ وذكَرَهُ في أدويَةِ الحفظِ ابنُ القيِّمِ، ومنها الجمعُ بَينَ التمرِ والسمنِ والعسلِ يَصْطَبِحُ بهِ فإنه نافِعٌ جدًا؛ ومِنها لُحُومُ الأسماك؛ ولُحُومُ صِغارِ المعْزِ والضأن، ويتَجَنَّبُ لُحومَ الأبقارِ والجوامِيسِ فإنَّ الإكْثارَ مِنها يُورِثُ البلادة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت