الصفحة 20 من 207

بسمِ اللهِ الرحمن الرحيم

الرسالة البلاذُرية

في بيان ما يعين على الحفظ

رقم الفتوى: 3/ 4 / 304

وسُئلَ غَفَرَ اللهُ ذُنُوبَهُ وستَرَ عُيُوبَه: عَن الأدْوِيَةِ المُقَوِّيَةِ للحْفْظِ؟.

فكتبَ في جَوابه:

الحمدُ لله؛ وأستغْفِرُ اللهَ؛ أما بعد:

فأَولُ الدواءِ وأنْفَعُهُ تَقْوى اللهِ تعالى، وكفُّ الجوارحِ عَما حَرَّمَ الله؛ والمبادَرَةُ إلى التوبَةِ والاستْغفارِ عِنْدَ الإلمامِ بالذنْبِ خاصَّة، كما في الأبياتِ المشهورةِ للشافِعِيِّ رَحِمَهُ الله:

شكوتُ إلى وكيعٍ سوءَ حفظِي ... فأرْشدَنِي إلى تَرْكِ المعاصِي

وأخْبَرني بأنّ العلمَ نُورٌ ... وَنُورُ اللهِ لا يُؤْتَى لِعاصي.

والاسْتِغْفارُ لهُ في ذلكَ سرُّ عجيبٌ؛ ولذا كانَ مِنْ أهلِ العِلْمِ مَن يُقَدِّمُهُ في الجوابِ إذا استُفْتِيَ؛ مُسْتأنِسًا في ذلكَ بِقَوْلِهِ تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (105) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا} . وفي اللبابِ لابْنِ عادل: والاسْتَغْفَار يَكُون مَعْناه: السَّمعَ والطَّاعةَ لحُكْمِ الشَّرْع. انتَهى.

ومِن ذلكَ عَمَلُ المَرْءِ بِما يَعْلَم؛ فإنهُ منْ أحْسَنِ ما يُسْتَذْكَرُ بهِ العِلْمُ؛ واعْتَبِرْ ذلكَ بِقيامِ الليلِ في حَقِّ حامِلِ القرآنِ تَجِدْ عَجَبًا، ثمَّ اعْتَبِرْهُ بِحالِ مِنْ سلَفَ مِن خيارِ هذه الأمَّةِ مِمَّنْ جَمَعَ بَينَ العِلْمِ والعَمل؛ وذلك فضلُ الله يؤتِيهِ من يشاء.

ومِنْهُ: تَفْرِيغُ القلْبِ للطَّلَب؛ والإقبالُ علَيهِ بالكُلِّيَّةِ؛ وعَدَمُ الانْشغالِ بِغَيْرِهِ؛ إلا فِيما لا بُدَّ مِنْهُ مِن ضَرُوراتِ الحياة، وأنْ يَكُونَ إقبالُهُ على العِلْمِ معَ عَلُوِّ الهِمَّةِ وصِدْقِ الرغْبَة؛ فإنكَ تَرى الرجُلَ إذا أقْبلَ على ما يَرْغَبُ كانَ أسرَعَ إلى إتْقانِهِ والتمَكُّنِ مِنه، ولذا تَرَى في الناسِ مَنْ يُتْقِنُ مِنْ فُنُونِ الصناعَةِ والعَمَلِ في أيامٍ يَسيرَةٍ ما لا يَقْدِرُ عَلَيهِ غَيرُهُم ولوْ كانُوا مِن المَهَرَةِ في عُلُومٍ أُخْرى، وما ذلكَ إلا لِصِدْقِ الرغْبَةِ ومُوافَقَةِ الطبِيعَةِ؛ وكلُّ مُيَسَّرٌ لما خُلِقَ له.

وأعْرِفُ مِن أصْحابِنا مَن كانَ إذا سارَ في الطريقِ مَرَّةً واحِدَةً عَلى طُولِهِ وكَثْرَةِ شِعابِهِ يَحْفَظُهُ!؛ ولَوْ طُلِبَ إلَيْهِ أنْ يَحْفَظَ ثَلاثَةَ أسطُرٍ شَقَّ ذلكَ عليه!.

وسَمِعْتُ فِي مَدِينَةِ جُدَّةَ قَبْلَ أكْثَرَ مِن عَشرينَ عامًا عَنْ رَجُلٍ يَحْكِي عن وَلَدٍ لهُ كانَ قَدْ ناهَزَ الاحْتلامَ وهُوَ يَجْتَهِدُ في تَعْلِيمِهِ في المدْرَسَة؛ قال: فَلما كانَ مَوْعِدُ امْتحانِ النحوِ من نَهارِ الغدِ أجْهَدْتُ نَفْسِي طِيلَةَ اليَوْمِ في شَرْحِهِ لهُ وإفْهامِهِ إياه، ثمَّ ذهَبْتُ بهِ صَبِيحَةَ يَومِ الامْتِحانِ إلى المَدْرَسَة؛ فلما كُنْتُ في بَعْضِ الطريقِ؛ قُلْتُ لهُ: يا بُنَيَّ ما إِعْرابُ العُصْفُورِ مِنْ قَوْلِنا: طارَ العُصْفُورُ؟؛ قال ففَكَّرَ وقَدَّرَ؛ ثُمَّ قال: فِعْلٌ مُضارِعٌ!؛ قالَ: فواللهِ ما أكْمَلْتُ بِهِ المَسيرَ إلى المَدْرَسة، بل عَدْتُ بِسَيَّارَتِي مِنْ حَيثُ أنا؛ وقصَدْتُ صاحِبًا لِي يَعْمَلُ (مِيكانِيكِيًّا) للسيارات؛ ودفَعْتُ الصبِيَّ إليه يُعَلِّمُهُ، قال: فما مَضَى عَلَيْهِ شَهْرٌ حَتى قالَ لِي مَعَلِّمُهُ: يا أبا فُلان!؛ ما رأيتُ في هذه المِهْنَةِ أذكى مِنْ ولدكَ ولا أسرَعَ تَعَلُّمًا مِنه؛ حتى إنه يَسْتَطِيعُ الآنَ إنْزالَ المُحَرِّكِ وإصلاحَهُ ورَدَّهُ في مَكانِهِ دُونَ أنْ يَحْتاجَ إلى إشرافِي عليه!.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت