الصفحة 19 من 207

وهذا النهْجُ عافاكَ اللهُ أورَثَنا مِنَ النتائجِ ما لا يُحْمَد؛ حتى رأيْنا مِن صِغارِ الطلَبَةِ هؤلاءِ مَنْ يَتَطاوَلُ عَلى الفحُولِ مِن أئِمَّةِ العِلْمِ فَيْنْتَقِدُ البُخارِيَّ ومُسْلِمًا ويُضَعِّفُ ما صَحَّحاه؛ ويَصَحِّحُ ما ضَعَّفاهُ!؛ ولَو سَألْتَهُ عما قَرأَ مِنْ كُتُبِ الفنِّ*-؛ ذكَرَ لكَ نُخْبَةَ الفِكَرِ والباعِثَ الحثيث؛ ويَرْجِعُ فِي التحْقِيقِ إلى التقْرِيبِ وأصْلِه!، ثُمَّ هُو مَعَ ذلكَ يُلْغِي جُهُودَ الأئِمَّةِ رَحِمَهُمُ اللهُ بِبَعْضِ الكَلِم، ويُنَحِّي أصُولَ الفِقْهِ جانِبًا بِجَرَّةِ قَلَمْ!، ولَعَمْرُ اللهِ إنها لَفاقِرَةٌ عَلَى العُلَماءِ أنْ يَتَدارَكُوها، نَعَمْ كُلُّ أحَدٍ بعْدَ رَسُولِ اللهِ صلى اللهُ عَلَيهِ وسلَّمَ يُخْطئُ ويُصيب؛ ويُؤْخَذُ مِنْهُ ويُتْرك؛ لكنْ شَتانَ شَتانَ بَينَ البقْلِ القِصارِ والنخْلِ الطوال:

وابْنُ اللبُونِ إذَا ما لُزَّ فِي قَرَنٍ ... لَمْ يَسْتَطِعْ صَوْلَةَ البُزْلِ القناعِيسِ

وأحْسَنُ ما يَبْدَأُ الطالِبُ بِحْفْظِهِ مِن مُتونِ الأحاديث المُتُونُ الجامِعَةُ لأحاديثِ الأحكامِ، وأعْلاها تَحْرِيرًا وجَمْعًا (بُلُوغُ المرامِ) للحافِظِ ابنِ حجَرٍ رَحِمَهُ الله؛ وحَسبُكُ قَوْلُ مُصَنِّفِهِ فيه: وَحَرَّرْتُهُ تَحْرِيرًا بالِغًا لِيَكُونَ مِن يَحْفَظُهُ نابِغَةً بَينَ أقرانِه!، وهُوَ كِتابٌ مُبارَكٌ كَتَبَ اللهُ تعالَى لهُ القُبُولَ بَينَ العُلماءِ والطلَبَة؛ فأقْبَلُوا عَلى حِفْظِهِ وشَرْحِهِ، ولهُ شُروحٌ مَعْروفَةٌ مِشهُورَةٌ أرى أنها لمْ تُوِّفِّهِ حقَّه، ولَو أنَّ الحافِظَ بِما أُوتِيَ مِنْ سَعَةٍ في العِلْمِ رَحِمَهُ اللهُ صنفَ شَرْحًا علَيْهِ لكانَ آيةً!، وكلُّ شيءٍ عِنْدَ اللهِ تعالَى بِمْقْدار.

فإنْ رَغِبَ في التوسُّعِ بَعْدَ هذا فليَضُمَّ إلَيْها ما لَمْ يذكُرْهُ الحافِظُ منْ أحاديثِ المُنْتَقَى للمَجْدِ ابنِ تَيْمِيةَ رَحِمَهُ الله، ثَمَّ يَنْظُرُ في سُنَنِ أبي داودَ فَيَضُمُّ مِنْهُ إلى السابِقَينِ ما لَيْسَ فِيهِما، وإنما بَدَأتُ بِهذه الكُتُبِ لأنّها جَمَعَتْ أحاديثَ الأحكامِ خاصَّةً، والطالِبُ يَحْتاجُ أولًا إلى مَعْرِفَةِ أحاديثِ الحلالِ والحرام؛ وإلا فَمَنْ وُفِّقَ فِي الحِفْظِ ويُسِّرَ لهُ، فليعْكِفْ بعدَ ذلكَ على صحيحِ البخارِيِّ فإنهُ لا مَثيلَ له، وكُلما ازدادَ من الخيرِ فهو نُورٌ وَخَيْرٌ.

واعْلَمْ أنَّ حفظَ الحديثِ مَيْسُورٌ إن شاءَ اللهُ تعالى، حتى إنَّ الطالِبَ لو أدْمَنَ النظَرَ في كُتُبِ الحديثِ حَفِظَ كَثيرًا مِنْها مَعَ الوقْتِ دُونَ كَبِيرِ جُهْدٍ مِنه!؛ وأنْتَ تَرى كَثيرًا من الطلَبَةِ بلْ من العامَّةِ إذا قُرِئَ الحديثُ عَلَيهِ مَرَّةً واحدَةً أعادَهُ بلَفْظِهِ أو يَكاد؛ وذلكَ من فضلِ اللهِ تعالى الذي يَسَّرَ شَرِيعَتَهُ لِعبادِه، لكن لا يُفُوتَنَّكَ أنَّ إتْقانَ الحِفْظِ أعظَمُ أجرًا؛ ألا تَرى قولَ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلّمَ: {فأَدَّاها كَما سَمِعَها} !؛ والأئمَّةُ رَحِمَهُمُ اللهُ وإن قالُوا بِجَوازِ الروايَةِ بالمعْنى إلاَّ أنّهم اتفَقُوا على عُلُوِّ مَرْتِبَةِ الروايَةِ بِحُرُوفِها؛ وأنهها مقدَّمَةٌ على الروايَةِ بالمَعْنى.

وفق الله المسلمينَ إلى ما يحبُّهُ ويَرْضاهُ؛ والحمدُ لله أولا وآخرا.

كان الله له

وكَتَبَهُ: أبو الوليدِ الغزيُّ الأنصاريُّ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت