الصفحة 18 من 207

بسم اللهِ الرحمَن الرحيم

رقم الفتوى:3/ 3 / 304

وسُئلَ غَفَرَ اللهُ ذَنْبَهُ وسَتَرَ عَيْبَه: ما هِي أحسنُ مُتُونِ الأحاديثِ التي يُنْصَحُ الطالِبُ بِحِفْظِها، وهل الأفْضلُ لمَنْ أرادَ حفظَ صحيحِ البخارِيِّ أنْ يَحْفظَ المُتونَ فقط؛ أم يَضُمَّ إليها حِفْظَ الأسانِيدِ أيضًا؟.

فأجاب: الحمدُ لله؛ وأستغْفِرُ اللهَ؛ أما بعد:

فَيَنْبَغِي أنْ يُعْلَمَ أولًا أنَّ العلُومَ أرزاقٌ وقِسْمَةٌ يُعطِي الله تَبارَكَ وتعالَى مِنها ما شاءَ لِمَن شاءَ مِن عَباده؛ كما دلَّ عليهِ قولُ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلم في حديثِ مُعاوِيَةَ رَضيَ اللهُ عنهُ عندَ البخارِيِّ وغَيْرِه: (مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِى الدِّينِ، وَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ وَاللَّهُ يُعْطِى ... ) ، ورُبَّ رَجُلٍ فَتِحَ لهُ في بابٍ ولَمْ يُفْتَحْ لهُ في غَيرِه كما قالَ الإمامُ مالكٌ للَّيْثِ بن سَعْدٍ في كِتابِهِ إليه، ورُبُّ رَجُلٍ كانَ أقْدَرَ على الحفظِ مِن غَيرِهِ، ورُبَّ فقِيهٍ لا يَحْفَظ، وربَّ رجلٍ جُمِعَتْ له النعمتانِ، والله يَخلقُ ما يشاءُ ويَختار.

ثُمَّ يَدْخُلُ في هذا ما جَرَتْ بِهِ سُنَّةُ المشايِخِ والطلَبَةِ في البَلْدَةِ التي يَقْصِدُها الطالِبُ بالطلب، فَحَيثُ كانَ المَشْهُورُ اعْتِمادَ مُوطّأ مالكٍ مَثلًا؛ كانَ حِفْظُ الموطّأ أولَى، لِيَجْتَمِعَ للطالِبِ حِفْظُهُ وقِراءَتُهُ على المشايخِ، ومِثْلُهُ يُقالُ في غَيْرِهِ من الكُتُب.

وما وَراءَ ذلكَ فالطالِبُ وما يَرْغَب، فَمَنْ كانِتْ بِهِ هِمَّةٌ لِحْفِظِ أسانِيدِ البُخارِيِّ فَلْيَفْعل؛ فإنهُ لا أنْجحَ في بُلُوغِ المَقْصُودِ بعدَ عَون اللهِ تعالى وإخلاصِ الوَجْهِ لهُ سُبحانَه مِنْ مُوافَقَةِ الرغْبَةِ لذلك، وعَلَى مَنْ وَلِيَ مِن أهلِ العِلْمِ أمرَ الطلابِ أنْ يَرْعَى ذلكَ مِنْ أحوالِهم.

فإن استوى الأمرانِ عنْدَ الطالِبِ فالذي أختارُهُ لهُ أنْ يَعْتَنِيَ بِحْفْظِ المُتُونِ أولا؛ ذلكَ أنَّ حِفْظَ الأسانِيدِ يَسْتَغْرِقُ كَثيرًا من الجهدِ والوقْتِ؛ ولَوْ أنهُ أنْفَقَ وقتَ حْفْظِها في حِفْظِ مُتُونِ الأحاديثِ لصَارَ ما يَحْفَظُهُ مِن المُتُونِ الحديثِيَّةِ ضِعْفَ أحاديثِ الصحيحِ مثلًا، والطالِبُ كُلَّما ازْدادَ مِن حِفْظِ المُتُونِ كانَ أملأَ يَدًا عِنْدَ الحاجَةِ إلى الاسْتِدْلالِ وأقْدَرَ علَيه.

وزِدْ عَلى هذا أنَّ الرجُوعَ إلى الأسانِيدِ والنظَرَ فيها لمْ يَعُدْ عَسرًا بِحَمْدِ اللهِ تعالى؛ خاصةً معَ وجُودِ الفهارِسِ والكُتُبِ المُيَسِّرَةِ لِهَذا الفَنِّ، ثُمَّ مَعَ ما مَنَّ الله تعالَى بِهِ مِن وسائلِ البَحْثِ المُخْتَرَعَةِ على غَيْرِ مِثالٍ سَبَق!؛ كالحاسُوبِ الآلِيِّ؛ وما يَحْويِهِ من المَكْتبات.

نَعَمْ لِيسَ يُغْنِي هذا عنْ ضبْطِ أسماءِ الرجالِ عَلى الشيُوخِ ومن كُتُبِ الفنّ، وعَنْ إدْمانِ النظَرِ في كُتُبِ الجَرْحِ والتَعْديلِ؛ وعَنِ المِرانِ علَى أيْدِي المُتَمَرِّسِينَ مِن العُلَماءِ فِي مَعْرِفَةِ العِلَل؛ لِيَحْصُلَ للطالِبِ بِذلكَ القدْرَةُ على تَمْييزِ صَحيحِ الحديثِ من سَقِيمَه؛ ويَعْرِفَ المَقْبُولَ من المَرْدُود.

ثمَّ لا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ حفظُ الأسانِيدِ شاغِلًا عَنْ تَحْصيلِ ما لا يَسَعُ الطالِبَ جَهْلُهُ مِنْ عُلُومِ الآلِة؛ والتي لا يَحْصُلُ للطالِب التمكُّنُ من العِلْمِ إلا بِها، وقَدْ كَثُرَ هذا في زَمانِنَا وذلكَ مِن أعْظَمِ آفاتِ الطلب؛ حتى رَأيْتُ مِن الطلَبَةِ مَنْ اشتَغَلَ بالتصْحِيحِ والتضْعِيفِ مُنْذُ أنْ هُدِيَ إلى الطلَبِ مُدَّةَ سَبْعِ سِنين!؛ ومَعَ ذلكَ لو سَألْتَهُ عنْ مَسْألَةٍ فِي فِقْهِ الطهارَةِ أو الصلاةِ ما دَرى ما يَقُول!؛ دعْ عَنكَ النَّحْوَ وأصُولَ الفِقْهِ وغيرَها مِن عُلُوم الآلَة، حَتَّى سَمْعْتُ مِنْهُمْ مَنْ يَفْتَخِرُ بِأنَّ شَيْخَهُ (فُلانًا) لَمْ يَقْرا مِن النحْوِ غَيرَ التُّحْفَةِ السنِيَّة!، وذَكَرَ آخَرُ أنَّ شَيْخَهُ ما تَعَلَّمَ النحْوَ ولا يَدْرِيه!.

نَعَمْ قِدْ يَكُونُ الرجُلُ حاملًا للحدِيثِ وليسَ فقيهًا كما دلَّ عليهِ قولُهُ عليهِ الصلاةُ والسلام: فَرُبَّ حامِلِ فقْهٍ لا فِقْهَ له، لكن لا يَنْبَغِي لِمِثْلِ هذا أنْ يَتَطاوَلَ إلى ما لا يُحْسِنُ؛ وإلا كانَ قائلًا في دينِ اللهِ تعالى بغيرِ عِلْم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت