بِسْمِ اللهِ الرحْمَن الرحيمِ
مُتابَعَةُ الإمامِ فِي التامِينِ.
رقمُ الفَتْوى: 8/ 5/ 3276
وسُئِلَ عَن الجَمْعِ بَينَ ما وَرَدَ من الأمْرِ بِمُتابِعَةِ المَأمومِ للإمامِ، وبَيْنَ مُوافَقَةِ المأمومِ للإمامِ فِي التأمِينِ، كيفَ تَكُونُ المتابَعَةُ والمُوافَقَةُ فِي وقتٍ واحد، وإذا كانَ الإمامُ لا يَرْفَعُ صَوتَهُ بالتأمِينِ أو يَغْفُلُ عن الجَهْرِ بهِ فَكيفَ تَكُونُ المُتابَعَةُ؟.
فَأجاب:
الحَمْدُ للهِ؛ وبعد:
ففِي الصحيحينِ وغَيْرِهما من حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ وغَيْرِهِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ أنَّ النبِيَّ صلَّى اللهُ علَيْهِ وسلمَ قال: إذَا أَمَّنَ الإِمَامُ فَأَمِّنُوا فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ تَامِينُهُ تَامِينَ الْمَلاَئِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ.
هذا الحَدِيثُ تَرْجَمَ لهُ البُخارِيُّ بِقَوْلِهِ: جَهْرُ الإمامِ بالتّأمِينِ، وهُوَ الراجِحُ إنْ شاءَ اللهُ، ويؤَيدُهُ قَولُ الزهْرِيِّ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ آمِينَ، قالَ الحافِظُ: وَهُوَ وَإِنْ كَانَ مُرْسَلًا فَقَدْ اعْتَضَدَ بِصَنِيعِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَاوِيهِ كَمَا سَيَاتِي بَعْدَ بَابٍ. انتهى.
وقَوْلُهُ فِي الحَدِيثِ: فَأمِّنُوا، اسْتُدِلَّ بِهِ علَى أنَّ تَأمِينَ المَأمومِ يكُونُ عَقِبَ تامِينِ الإمامِ، أَيْ بَعْدَ فَراغِهِ مِنْهُ، وفِيهِ نَظَر، لأَنَّ مَجْموعَ ما وَرَدَ فِي البابِ يَدُلُّ عَلَى أنَّ المَطْلُوبَ فِي هَذا المَوطِنِ أمرانِ: المُتابَعَةُ والمُوافَقََةُ؛ وذكرَ الحافِظُ فِي الفَتْحِ أن الجَمْعَ بينَ الرواياتِ يَقْضِي بأنَّ المُرادَ المُقارَنَةُ وبذلكَ قالَ الجُمْهُور، ونَقَلَ عن الشيخِ أبِي مُحَمَّدٍ الجُوينِيِّ أنهُ قال: لا تُسْتَحَبُّ مُقارَنَةُ الإمامِ فِي شَيءٍ من الصلاةِ غَيْره، وَقَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْن: يُمْكِنُ تَعْلِيلُهُ بِأَنَّ التَّامِينَ لِقِرَاءَةِ الإِمَامِ لا لِتَامِينِهِ، فَلِذَلِكَ لا يَتَأَخَّرُ عَنْهُ؛ وَهُوَ وَاضِحٌ.
وإنَّما تَحْصُلُ المُتابَعَةُ والمُوافَقَةُ؛ بأنْ يَنْتَظِرُ المَأمومُ قَولَ الإمامِ (آمِينَ) ؛ حَتَّى إذا سَمِعَهُ يَلْفِظُ بِحَرْفِ الألِفِ المَمْدُودَةِ فِي أَوَّلِها تابَعَهُ بالتأمِين، ويَدُلُّ لَهُ قَولُ النَبِي صلّى اللهُ علَيهِ وسلّمَ: وإذا قالَ: {وَلاَ الضَّالِّينَ} فَقُولُوا: آمينَ، فَهَذا بَيانٌ لِمَحَلِّ التأمِينِ وَوَقِتِهِ؛ وهُوَ عَقِبَ الفَراغِ من الفاتِحَةِ مُباشَرَةً، وفِي قَولِهِ: فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ الملاَئِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ؛ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المطلوبَ حَصُولُ التوافُقِ فِي التأمِينِ بَينَ الإمامِ والمَأمومِينَ والمَلائِكَةِ، ويُؤَيِّدُ هَذا مَا أَخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ عَن أَبِي رَافِعٍ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يُؤَذِّنُ لِمَرْوانَ بنِ الحَكَمِ؛ فَاشْتَرَطَ أَنْ لاَ يَسْبِقَهُ بـ {الضَّالِّينَ} حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّهُ دَخَلَ الصَّفُّ؛ وَكَانَ إِذَا قالَ مَرْوانُ: {وَلاَ الضّالِّينَ} ؛ قاَلَ أَبُو هُرَيْرَةَ: آمِينَ، يَمُدُّ بِهَا صَوْتَهُ، وَقَالَ: إِذَا وَافَقَ تَامِينُ أَهْلِ الأَرْضِ أَهْلَ السمَاءِ غُفِرَ لَهُم. فأبُو هُرَيرَةَ كانَ مَأمومًا وكانَ يُؤَمنُ بَعْدَ قَوْلِ الإمامِ {وَلاَ الضالِّينَ} ؛ وقَدْ عُلِمَ من الأحادِيثِ وُجُوبُ مُتابَعَةِ الإمامِ فِي جَمِيعِ أفْعالِ الصلاةِ كما قالَ الإمامُ أحْمَدُ رحِمَهُ اللهُ فِي رسالَةِ الصلاةِ التِي رَواها عَنهُ مُهَنّا بنُ يَحْيى الشامِيُّ وهِي فِي المُجلدِ الأولِ من طَبقاتِ الحنابِلَةِ لابنِ رَجَبٍ، وأبو هُرَيرَةَ هُو راوي حَديثِ التأمِينِ وقَدْ صَحِبَ النَّبيَّ صلَّى اللهُ علَيهِ وسلمَ دَهرًا وصلى خَلْفَهُ وخَلْفَ الشيخَينِ من بَعْدِهِ؛ وفِعْلُهُ هَذا بَيانٌ عَمَلِيٌّ لما رَواهُ؛ وبهِ يُجْمَعُ بَينَ الأدِلَّةِ الوارِدَةِ فِي البابِ.
وفِي البابِ كلامٌ طويلٌ أشارَ إلَيهِ الحافِظُ فِي الفَتْحِ، وإلَى هَذا القولِ رَجَعَ الشيخُ الألْبانِي رَحِمَهُ اللهِ؛ بَعْدَ أن كانَ يَقُولُ بِتأمِينِ المأمومِ عَقِبَ فَراغِ الإمامِ من التأمِينِ!، كما فِي السلسلة الصحيحةِ (2534) .