بسم الله الرحمن الرحيم
لَمْ يِجِدْ إلا الثلْجَ فهل يُسَخِّنُهُ ويتَوضَّأ؟.
رقم الفتوى: 4/ 1 / 303
وَسُِئلً عَن بَعْضِ المُجاهِدينَ مِمَّنْ يُسافِرُ أيامًا عَلَى قَدَمَيْهِ في مَواسِمِ الشتاءِ رُبَّما حَضرَهُ وقْتُ الصلاةِ والماءُ عازِبٌ عَنْه؛ ولا يَحْمِلُ مِنهُ إلا القليلَ للشُّرْب، لكنْ قدْ يَكُونُ في المَوضِعِ ثَلْجٌ فَهْلْ يَتَوَضَّأُ بهِ بأنْ يَمْسَحَ بهِ عَلى مواضِعِ الوُضُوء أمْ يَتَيَمَّمْ؟؛ وهلْ يَلْزَمُهُ تَسْخِينُ الثلْجِ للُوضُوء؟.
فأجاب: الحمدُ للهِ؛ أما بعد:
فقدْ قال تعالَى في آية الوُضُوءِ مِنْ سورَةِ المائدَة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ .. } ؛ فأمَرَ في أعْضاءِ الوُضًوءِ بالغَسل، ثم قال: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا .. } فدَلَّ عَلَى أنَّ المامُورَ بالوُضُوءِ بِهِ هُوَ الماءُ، فَمَنْ لَمْ يَجِدِ الماءَ فَهُوَ فاقِدٌ لَهُ؛ فَيَحِلُّ لَهُ التيََمُّمُ.
وفِي هذا الذي ذكَرْناهُ فائدَتانِ يَحْصُلُ بِهِما جَوابُ السؤال:
الأوْلَى: أنَّ الذي ذَكِرَ في الآيَةِ هُوَ الغَسلُ؛ ولا يَكُونُ إلاّ بِجريانِ الماءِ عَلى العُضْوِ كما بَيَّنَتْهُ سنَّةُ النبيِّ صلَّى اللهُ علَيْهِ وسلمَ القولِيةُ والعَمَلِيَّةُ وهِيَ مِنَ السنَنِ المُتَواتِرَة، وأما مَسْحُ العُضْوِ بالثلْجِ فلا يَقَعُ مَعَهُ ذلك؛ حتَّى وإنِ استوْعَبَ العُضْوَ بالمَسْحِ؛ لأنَّ الغسْلَ شَيءٌ والإستِيعابَ شَيءٌ آخر، نَعَمْ لَوْ تَركَ الثلْجَ على العُضْوِ أو مَسحَهُ بِهِ حَتَّى سالُ الماءُ عَلَيهِ أجْزَأَهُ، واللهُ أعْلم.
قالَ ابنُ قُدامَةَ في المُغْنِي: فإنْ أَخَذَ الثلْجَ فَأَمّرَّهُ عَلَى أَعْضَائِهِ لَمْ تَحْصُل الطهارَةُ بِهِ وَلَو انْبَلَّ بِهِ العُضْوُ؛ لأَنَّ الواجِبَ الغَسْلُ؛ وَأَقَلُّ ذَلِكَ أَنْ يَجْرِيَ الماءُ علَى العُضْوِ؛ إلاَّ أَنْ يَكُونَ خَفِيفًا فيذُوبَ ويجرِيَ ماؤُهُ على الأعضاءِ فَيَحْصُلَ بِهِ الغَسْلُ فَيُجْزِئَهُ. انتهى.
والثانِيةُ: فِي قَوْلِهِ {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً} ؛ فقَدْ عَلَّقَ الحُكْمَ بِوُجُودِ الماء، ولمْ يذكرْ وسطًا بَيْنَ الماءِ والصعيد، والثلْجُ وإنْ كانَ ماءًً في الأصْلِ لكِنَّهُ عَلَى صِفَةٍ أخْرى تُخالِفُ الماء، ولا فَرْقَ حِنَئِذٍ بَيْنَ اسْتِخْراجِ الماءِ مِنَ الأرْضِ واستْخْراجِهِ مِن الثلْجِ، فَصَحَّ أنهُ داخِلٌ في عُمُومِ الآيَةِ، وأنَّ فَرْضَهُ التيَمُّمُ.
ولَوْ قِيلَ بِدُخُولِ الثلْجِ في مُسَمَّى الصعِيدِ الذيِ يُقْصَدُ في التَّيَمُّمِ كَما قالَ بهِ بعْضُ العُلَماء؛ فإنَّ التَّيمُّمَ بِهِ شَيءٌ ومَسْحَ العُضْوِ بِهِ شَيءٌ آخَر، لأن بِناءَ التيمُمِ عَلَى التخفيفِ ولَيْسَ كذلكَ الغَسْلُ.
وَبِهِ تَعْلَمُ أنهُ لا يَلْزَمُهُ تَسْخِينُ الثلْجِ للوُضُوء، فإنْ فَعَلَ وتَوضأ بِمائِهِ أجْزَأَه؛ وقد اسْتُدِلَّ بِجوازِ الطَّهَارَةِ بِمَاءِ الثَّلْجِ وَالْبَرَدِ بِمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَسْكُتُ بَيْنَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ وَالْقِرَاءَةِ سَكْتَةً يَقُولُ فِيهَا أَشْيَاءَ مِنْهَا: اللَّهُمَّ اغْسِلْ خَطَايَايَ بِالْمَاءِ