وفِي بابِ الصلاةِ عِندَ مُناهَضَةِ الحُصونِ أيْضًا؛ قالَ البخارِي: وَقَالَ الأَوْزَاعِيُّ: إِنْ كَانَ تَهَيَّأَ الْفَتْحُ وَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى الصَّلاَةِ صَلَّوْا إِيمَاءً؛ كُلُّ امْرِئٍ لِنَفْسِهِ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَى الإِيمَاءِ! أَخَّرُوا الصَّلاَةَ حَتَّى يَنْكَشِفَ الْقِتَالُ، أَوْ يَامَنُوا فَيُصَلُّوا رَكْعَتَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرُوا صَلَّوْا رَكْعَةً وَسَجْدَتَيْنِ لاَ يُجْزِئُهُمُ التَّكْبِيرُ وَيُؤَخِّرُوهَا حَتَّى يَامَنُوا. وَبِهِ قَالَ مَكْحُولٌ.
قالَ الحافِظُ: قَالَ ابْنُ رُشَيْدٍ: مَنْ بَاشَرَ الحَرْبَ وَاشْتِغاَلَ القَلْبِ وَالجَوارِحِ إِذَا اشْتَعَلَتْ عَرَفَ كَيْفَ يَتَعَذَّرُ الإيْمَاءُ!. انتهى.
وقالَ الحافِظُ أيضًا: قالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: كُلُّ مَنْ أَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ يَقُولُ: إِنَّ الْمَطْلُوبَ يُصَلِّي عَلَى دَابَّتِهِ يُومِئُ إيْمَاءً، ثُمَّ ذكَرَ التفْرِيقَ بَينَ صلاةِ الطالِبِ والمُطْلُوبِ ورَدَّهُ، وقال: شِدَّةُ الخَوْفِ فِي المَطْلُوبِ ظَاهِرَةٌ لِتَحَقُّقِ السّبَبِ المُقْتَضِي لَهَا. انتهى. يَعْنِي: خَوْفَ استِيلاءِ العَدُوِّ عَلَيهِ، ومَن كانَ فِي دارِ الحَرْبِ فَهُوَ فِي مَعَنَى المطلُوبِ الذِي ذكَرَ، عَلى أنَّ الصحِيحَ جَوازُهُ للطالِبِ أيْضًا.
وفِي شَرْحِ النوِوِي لِمُسلمٍ؛ وفِي أسنَى المطالِب؛ وَفَتاوِي الرمْلِيِّ الشافِعِيِّ أنَّهُ تَجُوزُ لَهُ صَلاةُ شِدَّةِ الْخَوْفِ لِلْخَوْفِ عَلَى مَالِهِ، بَلْ صَرَّحَ الْجُرْجَانِيُّ بِأَنَّهُ يُصَلِّيهَا لِخَوْفِ انْقِطَاعِهِ عَنْ رُفْقَتِهِ، إلاَّ أنَّ النوَوِيَّ أوجَبَ صَلاتَها فِي وَقْتِها لِحُرْمَةِ الوقْتِ؛ ثمَّ أوجَبَ الإعادَةَ، والصوابُ أنَّ الإعادَةَ لا تَجِبُ.
وذكَر الشافعي في الأمّ جَوازَ الصلاةِ بالإيماءِ إذا طلبهُ صائلٌ، وكذا نَحْوُ العَدُو والسبعِ والفيلِ والحَيّةِ، له في هذا كلّهِ أن يصليَ صلاةَ الخوفِ؛ يُومِئُ أينَ تَوجّهَ، وكذلكَ الحالُ لَو أمعَنُوا وتوسطُوا بلادَ العَدُوِّ، وهم قلّةٌ والعَدُوُّ فِي كَثْرَةٍ؛ لهُم أن يصلُّوا مُومِئينَ إن خافُوا عَودَةَ العَدُوِّ إن نَزَلُوا.
وهذا الموضعُ جَوابُ ما ذُكِرَ فِي السؤالِ إنْ خَشُوا مُراقَبَةَ مَنازِلِهِمْ، ولَهُم أنْ يَجْمَعُوا بَيْنَ ما تَقَدَّمَ من رُخَصِ الجَمْعِ وبَينَ الإيْماءِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ.
ثُمَّ إنْ كانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ الصلاةَ فِي المَنازِلِ قِيَامًا ولا مُسْتَقْبِلِي القِبْلَةِ؛ فَلَهُم أنْ يُصَلُّوها رُكْبانًا فِي (السياراتِ ونَحْوها) أثْناءَ تَنَقُّلِهِمْ إيماءً أيْضًا، فإنْ كانُوا لَوْ صَلَّوْا فِي المنزِلِ أمْكَنُهُمُ الاسْتِقْبالُ دُونَ القِيامِ صَلَّوْها مَع الاستِقْبالِ إلا أنْ يَخافُوا خُرُوجَ الوَقْتِ.
ومِنْها: أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُم أنْ يُصَلُّوا الصلَواتِ فُرادَى؛ ولا يَجِبُ عَلَيهِم الاجْتِماعُ لَها إن خافُوا مِن ذلكَ ضَررًا، ولَهُم أنْ يَقْتَصِرُوا فِي الصورَةِ الوارِدَةِ فِي السؤالِ عَلى أرْكانِ الصلاةِ وَواجِباتِها، كَقِراءَةِ الفاتِحَةِ دُونَ سُورَةٍ بَعْدَها، والاكْتِفاءِ بَتَسبيحَةٍ واحِدَةٍ فِي الركُوعِ والسجودِ؛ وتَركِ رَفْعِ اليَدَينِ عِنْدَ تكْبِيرَةِ الإحْرامِ وما بَعْدَها مِن تكْبيراتِ الانْتِقالِ، وتَركِ الجَهْرِ فِي القراءَةِ فِي الصلَواتِ الجَهْرِيّةِ فَيُسِرُّونَ بالقراءَةِ فِيها، كما لا يلْزمُهُم من باب أولَى شُهُودُ الجُمَعِ والجَماعاتِ وإن كانُوا يَسْمَعُونَ النداءَ؛ للعِلَلِ التِي ذكَرْناها، ولأنَّ الجُمُعَةَ والجَماعَةَ لا تَجِبُ عَلى المُخْتَفِي من الأمِيرِ الظالِمِ؛ فَفِي صورَةِ السؤالِ أولَى، وكذلكَ الحالُ فِي استِقْبالِ القِبْلَةِ إن أمكنهم ذلك استَقْبَلُوها؛ وإلا صلَّوْا إلَى أيِّ جِهَة قِيامًا أو قُعُودًا أو عَلَى جُنُوبِهُمْ، ولا تَسقطُ الصلاةُ عَنهم بحال.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللهُ عَنه: كُلُّ هذهِ التخْفِيفاتِ من رَحْمَةِ اللهِ بالمُؤمِنينَ؛ إِذ الخَوفُ حالَةٌ يَقَعُ مَعَها انْشغالُ القَلْبِ، والمطْلُوبُ فِي الصلاةِ حُضُورُهُ؛ وهُو الخُشوعُ، فكانَ التخْفِيفُ مِظنَّةَ حُصولِهِ فِي هذا الموطِنِ؛ واللهُ أعْلَم، وهكذا الأمْرُ فِي الوُضوءِ، إن أمْكَنُهُم فِعْلُهُ بَعِيدًا عن الأعْيُنِ وكانُوا فِي مأمَنٍ مِن ذلكَ وجَبَ، وإلا عَدَلُوا إلَى التيَمُّمِ؛ بالتُرابِ إنْ وُجِدَ؛ وإلا قامَتْ جُدْرانُ المَنْزِلِ مَقامَهُ؛ وكذلكَ الفُرُشُ عِنْدَ الضرُورَةِ، ولا يكلِفُ اللهُ نَفْسًا إلا وُسْعَها.