والمغْرِبُ؛ وأَنّهَمْ صَلَّوْا بَعْدَ هُوِيٍّ مِنَ اللّيْلِ، ومن العُلَماءِ مَن جَمَعَ بَينَ ذلكَ بأنّ الخَنْدَقَ دامَتْ أيامًا؛ وأنَّ ذلكَ وقعَ فِي أيّامٍ مُخْتَلِفَةٍ، وقَوَّاهُ الحافِظُ فِي الفَتْحِ، والصوابُ أنّ حُكْمَ ذلكَ باقٍ عِنْدَ الضُّرُورَةِ، وما ذكِرَ فِي السؤالِ هُوَ فِي حُكْمِ الانْشغالِ بالقِتالِ، بلْ هُو أَوْلَى؛ لأَنَّهُ يُضافُ إلَيهِ الخَوْفُ من انْكشافِ أمْرِهِ فَيَلْحَقُهُ ضَرَرٌ بِذلكَ؛ كما تَفُوتُ بِهِ مَصالِحُ المُسلِمينَ، فَلَهُم عَلى هَذا تأَخِيرُ صَلاتَيْنِ أوْ أكْثَرَ إلَى أنْ يَصِيرُوا إلَى مَامَنٍ فَيُصَلُّوهَا فِي دُورِهِمْ، ولا يَجُوزُ تَأخَيرُ صَلاةِ يَومٍ إلَى اليَومِ الذِي يَلِيهِ، ولَهُم فِعْلُ ذلكَ ما دامَتِ الضرُورَةُ بَاقِيَةً، فإنْ أمِنُوا أمانًا مُسْتَمِرًا؛ أو مَتَخِلّلًا لبَعْضِ الأيامِ أو بَعْضِ الصلَواتِ صَلَّوْها فِي أوْقاتِها وُجُوبًا، والضرُورَةُ تُقَدَّرُ بِقَدْرِها، ولا يُتَجاوَزُ بِها مَحَلَّها.
ومِنها: ما وَقَعَ فِي فَتْحِ (تُسْتَرَ) ؛ قالَ البخارِيُّ فِي الصّحِيحِ: بابُ الصَّلاَةِ عِنْدَ مُنَاهَضَةِ الْحُصُونِ وَلِقَاءِ الْعَدُوِّ، ورَوى فِيهِ تعْلِيقًا عَن أنَسٍ بصِيغَةِ الجَزمِ؛ قالَ: حَضَرْتُ عِنْدَ مُنَاهَضَةِ حِصْنِ تُسْتَرَ؛ عِنْدَ إِضَاءَةِ الْفَجْرِ وَاشْتَدَّ اشْتِعَالُ الْقِتَالِ؛ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى الصَّلاَةِ؛ فَلَمْ نُصَلِّ إِلاَّ بَعْدَ ارْتِفَاعِ النَّهَارِ، فَصَلَّيْنَاهَا وَنَحْنُ مَعَ أَبِي مُوسَى فَفُتِحَ لَنَا، وَقَالَ أَنَسٌ وَمَا يَسُرُّنِي بِتِلْكَ الصَّلاَةِ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، والخَوْفُ من العَدُوِّ فِي دارِ الحَرْبِ فِي مَعْنَاهُ، إنْ اضطُرُّوا إلَى التأخِيرِ جازَ.
ومِنها: مَشروعِيّةُ صلاةِ الخَوْفِ، وقَدْ ورَدَتْ فِي السنةِ عَلى هَيئاتٍ مُخْتَلِفَةٍ؛ وكلُّها مُشروعٌ وللهِ الحمدُ، ويَصْنعُ من ذلكَ ما يُناسِبُ حالَ القِتالِ، قالَ الشافعي رحمه الله في الأم: وَكُلُّ جِهَادٍ كان مُبَاحًا يَخَافُ أَهْلُهُ؛ كانَ لَهُمْ أَنْ يُصَلُّوا صَلاَةَ شِدَّةِ الْخَوْفِ. انتهى.
ومِنْها: ما وَرَدَ من الاقْتِصارِ عَلى رَكْعَةٍ واحِدَةٍ فِي صَلاةِ الخَوْفِ، قال أبو داودَ فِي السنَنِ: بابُ مَنْ قالَ: يُصَلّي بِكُلِّ طائِفَةٍ رَكْعَةً وَلاَ يَقْضُونَ، وقدْ صَحَّ عن حُذَيفَةَ رَضِي اللهُ عَنهُ أنهُ سُئلَ فِي (طَبَرِسْتانَ) عَن صلاةِ رَسولِ اللهِ صلّى اللهُ عَلَيهِ وسلّمَ فِي الخَوْفِ؛ فصلّى بأصْحابِهِ بِهؤلاءِ رَكْعَةً وبِهؤلاءِ رَكْعَةً.
وذكَرَ الألْبانِيُّ لَهُ شَواهِدَ كَثِيرَةً؛ ثَمَّ قالَ: وَبِالْجُمْلَةِ؛ فَهَذِهِ شَوَاهِدُ كَثِيرَةٌ تَشْهَدُ لِحَدِيثِ حُذَيْفَةَ فِي اقْتِصارِ المُقْتَدِينَ عَلَى رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ فِي صَلاةِ الْخَوْفِ، ثُمّ ذكَرَ ما رُوِيَ عن ابنِ عَباسٍ رَضِي اللهُ عَنه: فَرَضَ اللهُ تعَالَى الصلاَةَ عَلَى لِسانِ نَبِيِّكُمْ فِي الحَضَرِ أَرْبَعًا، وَفِي السفَرِ رَكْعَتَيْنِ، وَفِي الخَوْفِ رَكْعَةً. انتهى.
والصوابُ ما ذَهبَ إلَيهِ الإمامُ أَحْمَدُ رَحِمهُ اللهُ من أنَّ كُلَّ حدِيثٍ ورَدَ فِي صلاةِ الخَوْفِ فالعَمَلَ بِهِ جائزٌ، وفي اللبابِ لابنِ عادل: قالَ أحْمد بن حَنْبَل: كُلُّ حَدِيثٍ رُوِيَ في أبًواب صَلاةِ الخَوْفِ، فالعَمَل به جَائِزٌ. انتهى. وبه قالَ عَطاءُ، وجابرُ، والحسنُ، ومجاهدُ، والحكمُ، وقتادةُ، وحمّادُ، وإليه ذهب طاوُسُ والضحّاكُ. قالَ الألْبانِي: وبِهِ تجْتَمعُ الأحادِيثِ.
ومِنْها: جَوازُ الصّلاةِ بالإيماء عِنْدَ الضّرُورَةِ، واقِفًا أو جالِسًا أو علَى جَنْبٍ، وهُو مَشْرُوعٌ عِنْدَ شِدَّةِ الخَوْفِ، ولا حَرَجَ عَلَيهِ فِي تَرْكِ الركُوعِ والسجُودِ؛ يومِئُ بِهِما إيماءً، ما اضْطُرَّ إلَيهِ من ذلكَ فَعَلَهُ، راجِلًا أو راكِبًا، قال البخاريُّ فِي الصحِيح: بَابُ صَلاَةِ الطَّالِبِ وَالْمَطْلُوبِ رَاكِبًا وَإِيمَاءً، وَقَالَ الْوَلِيدُ: ذَكَرْتُ لِلأَوْزَاعِيِّ صَلاَةَ شُرَحْبِيلَ بْنِ السِّمْطِ وَأَصْحَابِهِ عَلَى ظَهْرِ الدَّابَّةِ؛ فَقَالَ كَذَلِكَ الأَمْرُ عِنْدَنَا إِذَا تُخُوِّفَ الْفَوْتُ. وَاحْتَجَّ الْوَلِيدُ بِقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: لاَ يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ إِلاَّ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ. انتهى.