بِسْمِ اللهِ الرحْمَنِ الرحِيمِ
كَيفَ يُصَلّي فِي دارِ الحَرْبِ إنْ خَشِيَ انْكِشافَ أَمْرِهِ؟.
رَقَمُ الفَتْوى: 12/ 2/316
وسُئِلَ عَن نَفَرٍ مِن المُسْلِمينَ دَخَلُوا دارَ الحَرْبِ مُنْدَسّينَ فِي صُفُوفِ العَدُوِّ؛ فِي هَيئَةٍ لا يُعْرَفُونَ مَعَها أنّهُمْ مِن المُسْلِمينَ؛ ورُبّما يَسْتَغْرِقُ ذلكَ مِنْهُمْ الإقامَةَ فِي تِلْكَ البلادِ مُدَّةً طَوِيلَةً مِن الزَّمَنِ، ويَخْشَوْنَ إنْ هُمْ أظْهَرُوا شَيئًا مِن شَعائرِ الإسلامِ أنْ يُفْتَضَحَ أمْرُهُمْ، كَيفَ يَصْنَعُونَ فِي أمْرِ الصلاةِ؟، وهَلْ يَجُوزُ لَهُم تَأخِيرُها عن الوقْتِ للضرُورَةِ؟، وإنْ كانُوا يَخافُونَ مِن أدائِها فِي مَنازِلِهِمْ خَشْيَةَ وُقوعِهِم تَحْتَ المُراقَبِةِ المُباشِرَةِ أو عَن طَرِيقِ أَجْهِزَةِ المُراقَبَةِ؛ فَماذا يَصْنَعُونَ؟.
فَأجابَ: الحَمْدُ للهِ؛ وبَعْد:
فَإنّ الشرْعَ وللهِ الحَمْدُ قَدْ خَصَّ المُجاهِدِينَ بِكَثِيرٍ من الرخَصِ التِي تُباحُ لِمَصْلَحِةِ الجِهادِ، والمُسْلمُ فِي دارِ الحَرْبِ حُكْمُهُ من هَذِهِ الجِهَةِ حُكْمُ المُسْتَضْعَفِ، ولا يَجِبُ عَلَيهِ مُخالَفَةُ الكُفارِ فِي الهَدْي الظاهِرِ، بَلْ قَدْ يُسْتَحَبُّ لَهُ أنْ يُشارِكَهُم فِي الهَدْيِ الظاهِرِ فِي بَعْضِ الأحْيانِ؛ ورُبّما وَجَبَ عَلَيهِ ذلكَ إنْ كانَ يُرِيدُ بِهِ أنْ يَطَّلِعَ عَلَى بَواطِنِ أحْوالِهِمْ، أوْ لِدَفْعِ ضَرَرِهِمْ عن المُسْلِمينَ؛ أو أنْ يَتَرَبّصَ الإيقاعَ بِهِم؛ أو غَيرَ ذلكَ مِن المَقاصِدِ الصالِحَةِ، وعَلَى هَذا دَلَّ هَدِيُ النّبِي صلّى اللهُ عَلَيهِ وسلمَ فِي السيرِ، وهَدْيُ أصحابِهِ فِي الفُتوحِ؛ وبِهِ أفْتَى شَيخُ الإسلامِ وغَيرُهُ من العُلماء.
والصلاةُ وإنْ كانَت فِي الأصْلِ كِتابًا مَوقُوتًا عَلى المُؤمِنينَ؛ أي: فَرْضًا عَيَّنَ لَهُم وقْتَ أدائِهِ؛ إلاّ أنّ الشارِعَ أَوْرَدَ فِيها مِن التَخْفِيفاتِ فِي حَقِّ المجاهِدِينَ خاصّةً ما فِيهِ أعْظَمُ التوسِعَةِ عَلَيهِم:
فِمْنها: أنّ مَن دَخَلَ دارَ الحَرْب للغَرَضِ المَذكُورِ كانَ حُكْمُهُ حَكْمَ المُسافِرِ، فَيُصّلِي صَلاتَهُ رَكْعَتَينِ.
ومِنْها: جَوازُ الجَمْعِ بَينَ الظُّهْرِ والعَصْرِ والمَغْرِبِ والعِشاءِ، وقَدْ صَنَعَهُ النّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وسلّمَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكٍ، كما عِنْدَ مُسلِمٍ وأبِي داودَ وغَيرِهِما مِن حَدِيثِ أبِي الطفيل، والجَمْعُ بَينَ الصلاتَيْنِ فِي السفَرِ ولو فِي غَيرِ عَرَفَةَ ومُزْدَلِفَةَ مَذهَبُ جُمْهورِ العُلَماءِ خِلافًا للحَنَفِيّةِ الذِينَ تَأَوَّلُوهُ بالجَمْعِ الصورِيِّ، والصوابُ ما عَلَيهِ الجُمهُورُ تَيسِيرًا عَلى المُسافِرِ؛ وَرَفعًا للحَرجِ، ولِمُخالَفَةِ قَولِ الحَنَفِيّةِ صَرِيحَ رِوايَةِ أَنَسٍ عندَ مُسلِمٍ أنهُ كانَ يُؤخّرُ الظهْرَ حَتى يَدْخُلَ أولُ وَقْتِ العَصْرِ؛ ثمّ يَجْمَعُ بَيْنَهُما، كما دَلَّتِ الرواياتُ عَلى جَوازِ الجَمْعِ تَقْدِيمًا؛ وجَوازِهِ تَأخِيرًا، وهُو قَولُ الشافِعِي رَحمهُ الله، وأنهُ جائزٌ حالَ النزُولَ؛ وجائزٌ إذا جَدَّ بِهِ السيرُ، ومَن دَخَلَ دارَ الحَرْبِ لغَرَضِ الجِهادِ فَهُو مُسافِرٌ فِي غَزْوٍ فَلَهُ الجَمْعُ ما دَعَتْهُ حاجَةٌ إلَى ذلكَ، ويَصْنَعُ مِن ذلكَ ما يُناسِبُ حالَهُ وحاجَتَهُ، وإذا جازَ الجَمعُ فِي السفَرِ لحاجَةِ المُسافِرِ ورَفْعِ الحَرَجِ عَنْهُ؛ فَفِعْلُهُ لِضَرُورَةِ الجِهادِ ومَصْلَحَةِ المُسلمينَ أولَى.
ومِنْها: ما صَنَعَهُ النّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وسلّمَ يَومَ الخَنْدَقِ لما شُغِلَ عن صَلاةِ العَصْرِ؛ فَصلاّهَا بَعْدَ غُرُوبِ الشمْس، معَ المَغْرِبِ والعِشاءِ جَمِيعًا، وفِي رِوايَةٍ أنّ الذِي فاتَهُم الظهرُ والعصرُ؛ وفِي أخرى من حديثِ أبِي سَعِيدٍ: الظهرُ والعصْرُ